موسوعة العتبات المقدسة - الخليلي، جعفر - الصفحة ١٦٤ - الوثيقة
في تقدم الدعوة الإسلامية، و قوله (ص) للظالم منهم إن ظلمه لن يكون إلاّ ظلما لنفسه، إنما هو تهديد لهم، و إظهار لقوة المسلمين و شدة بأسهم، و تحذير لهم مما قد تسوّله لهم أنفسهم أو تزينه لهم شياطينهم، و من الجدير بالذكر أن الرسول (ص) كرر هذا المعنى في الوثيقة أكثر من مرة، و كأنه كان يحس أن لن يتم بين اليهود و المسلمين وفاق، و أن اليهود سينزعون إلى العداوة و الشقاق و الدس و الكيد و النفاق، و أنهم سينقضون العهد و الميثاق، فأراد أن يلتمس العذر أمام اللّه و الناس و الضمير إن هو نكل بهم بعد ظلمهم و خروجهم على العهد الذي بينه و بينهم فقد أنذرهم كثيرا و قد أعذر من أنذر، و لا شك أن هذا الإنذار و التهديد إنما أراد به الرسول (ص) أن تستقر الحال في المدينة فلا يكون هناك نزاع داخلي بين المسلمين و اليهود، و هو الأمر الذي تستغله قريش و يؤدي إلى عرقلة جهود النبي (ص) في نشر الفكرة الإسلامية خارج مدينة يثرب، و لم يلبث الرسول. أن أعقب الترهيب ترغيبا و الشدة لينا، فأمر أن لا يقوم المسلمون ضد اليهود إلاّ إذا عادوا الإسلام.
لقد أقرت الوثيقة مبدأ المساواة بين المسلمين أمام العدالة فالأحكام تسري عليهم جميعا، لا تمييز بين أحد، و هم يد واحدة على كل من بغى أو ابتغى دسيعة ظلم أو إثما أو عدوانا أو فسادا بين المسلمين المؤمنين، و يجتهدون في عقابه، و لا يجوز لأحد أن يوالي المجرم، أو يدافع عنه أو يسعى في تخليصه، و لو كان المجرم ولده، و من ارتكب جريمة قتل عمد، فعليه القصاص و القتل، و لكن يجوز لولي المقتول أن لا يصرّ على القصاص و يطلب الفصل أي قبول الدية (التعويض) ، و على المؤمنين أن يؤيدوه ضد القاتل «من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة فانه قود به إلا أن يرضى ولي المقتول بالعقل، و أن المؤمنين عليه كافة و لا يحل لهم إلا قيام عليه» ، على أنه لا يجوز قتل المؤمن في كافر «و لا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر» .
و يتبين لنا من هذه النصوص التأكيد الزائد على الروح الإجتماعية و على وجوب اشتراك المسلمين جميعا و مساهمتهم في صيانة الأمن و معاقبة العتدي