دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٣٩ - مفهوم الشرط
و الجواب أنّ بالإمكان [١] اختيار الافتراض الأول، و لا يلزم محذور، و ذلك بافتراض جعلين و حكمين متعدّدين في عالم التشريع:
أحدهما معلول للشرط بعنوانه الخاصّ، و الآخر معلول لعلّةٍ اخرى، فالبيان المذكور إنّما يبرهن على عدم وجود علّةٍ اخرى لشخص الحكم لا لشخصٍ آخر مماثل [٢].
[١] جاء في الطبعة الاولى: «و الجواب بإمكان». و الأولى ما أثبتناه
[٢] حاصل الجواب المذكور أنّ هذا البرهان لا يثبت الانحصار بالمعنى المطلوب في الركن الأوّل من ركني ضابط المفهوم، و ذلك لأنّ المعنى المطلوب من الانحصار في الركن الأوّل عبارة عن انحصار الحكم بحالة تواجد القيد- كالشرط مثلًا- سواء كان الحكم الواقع طرفاً لذلك القيد حكماً شخصيّاً خاصّاً مع قطع النظر عن الأحكام الشخصيّة المحتملة المماثلة له، أو كان طبيعيَّ الحكم الجامع بين أحكام شخصيّة عديدةٍ محتملة، فإنّ الانحصار بهذا المعنى هو الذي يجدي لإثبات المفهوم بضمّ الركن الثاني إليه، و هو إثبات كون المراد بالحكم هو الطبيعي لا الشخص.
و أمّا الانحصار بالمعنى الذي يثبت اختصاص الحكم بحالة تواجد القيد في فرض إرادة حكمٍ شخصيٍّ خاصّ فحسب لا في فرض إرادة طبيعي الحكم فلا يجدي لإثبات المفهوم حتّى لو انضمّ إليه الركن الثاني، كما مضى توضيح ذلك في بعض تعليقاتنا على بحث ضابط المفهوم.
و البرهان المذكور في هذا الوجه لإثبات الانحصار إنّما يثبت الانحصار في فرض كون المراد بالحكم حكماً شخصيّاً خاصّاً، لا في فرض كون المراد طبيعيّ الحكم، إذ أنّه في فرض كون المراد حكماً شخصيّاً خاصّاً يكون تعدّد العلّة مستلزماً لأحد المحذورين السابقين، حيث إنّ سببيّة كلّ من العلّتين بعنوانها الخاصّ تنافي القاعدة الفلسفيّة المذكورة، و سببيّة الجامع بين العلّتين تنافي الظهور الإثباتي المذكور، و أمّا في فرض كون المراد بالحكم طبيعي الحكم من دون اختصاصٍ بمصداق خاصّ فسوف لا يمكن إثبات الانحصار بالبرهان المذكور، و ذلك لإمكان اختيار الشقّ الأوّل من الشقّين المذكورين في البرهان، أعني كون كلّ من العلّتين بعنوانه الخاصّ سبباً لإيجاد الحكم، من دون أن يؤدّي ذلك إلى مخالفة القاعدة الفلسفيّة المذكورة، إذ من الممكن حينئذٍ أن تكون إحدى العلّتين بعنوانها الخاصّ سبباً لإيجاد طبيعي الحكم ضمن مصداقٍ من مصاديقه، و تكون العلّة الاخرى بعنوانها الخاصّ أيضاً سبباً لإيجاد طبيعي الحكم ضمن مصداقٍ آخر من مصاديقه، بحيث يصدق أنّ طبيعي الحكم المذكور في الجزاء تارةً يحصل بسبب الشرط بعنوانه الخاصّ و تارةً بسبب العلّة الاخرى بعنوانها الخاصّ أيضاً، و إن كانت القضيّة الشرطيّة لم تتصدَّ إلّا لبيان أحد الأمرين فحسب، و هذا لا ينافي القاعدة الفلسفيّة المذكورة، لأنّ طبيعي الحكم حينئذٍ يكون مشتملًا على مصداقين مستقلّين، و لكلٍّ منهما جعله الخاصّ به، و كلّ جعلٍ يشكّل واحداً بالشخص، و علّته واحدة أيضاً، فلا يستلزم صدور معلولٍ شخصيّ واحد من علّتين مستقلّتين.
و ما دام احتمال هذا الفرض قائماً و لا يمكن دفعه بالبرهان المذكور فلا يثبت الانحصار، و بالتالي لا يثبت الركن الأوّل من ركني ضابط المفهوم بالمعنى المطلوب، حتّى و إن ثبت الركن الثاني و هو إرادة طبيعيّ الحكم في الجزاء.
و بهذا التوضيح ظهر أنّ الجواب المذكور عن هذا الوجه ليس ناظراً إلى عدم توفّر الركن الثاني من ركني ضابط المفهوم، و إنّما هو ناظر إلى أنّ البرهان المذكور في هذا الوجه لا يستطيع أن يثبت الركن الأوّل- أي الانحصار- بالمعنى المطلوب منه، حتّى إذا توفّر الركن الثاني