دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٦٣ - التقابل بين الإطلاق و التقييد
هو نقيض للتقييد؛ لأنّ كلَّ مفهومٍ له قابليّة ذاتيّة للانطباق على كلّ فردٍ يحفظ فيه ذلك المفهوم، و هذه القابليّة تجعله صالحاً لإسراء الحكم الثابت له إلى أفراده شموليّاً أو بدليّاً. و هذه القابليّة بحكم كونها ذاتيةً لازمةٌ له، و لا تتوقّف على لحاظ عدم أخذ القيد، و لا يمكن أن تنفكّ عنه [١].
[١] و يمكن تحليل الدليل المذكور على كون التقابل بين الإطلاق و التقييد تقابل التناقض و ليس تقابل الضدّين و لا تقابل العدم و الملكة إلى مجموعة امور يتّضح من خلالها المطلوب، و هي:
١- أنّ البحث في التقابل بين الإطلاق و التقييد ليس بحثاً لغويّاً راجعاً إلى حدود المعنى الموضوع له لكلمتي (الإطلاق) و (التقييد) كما هو كذلك في مثل كلمتي (الأعمى) و (البصير). بل إنّما هو بحث في كيفيّة التقابل بين نحوين من الخصوصيّات اللحاظيّة في عالم الذهن، و هما: (الخصوصيّة التي تقتضي صلاحيّة المفهوم للانطباق على جميع الحصص و الأفراد الداخلة تحت الطبيعة التي يعبّر عنها ذلك المفهوم) و (الخصوصيّة التي تضيّق دائرة الصلاحيّة المذكورة و تخصّصها ببعض الحصص و الأفراد).
و الخصوصيّة الاولى هي التي تجعل المفهوم صالحاً لإسراء الحكم إلى جميع الأفراد- شموليّاً أو بدليّاً- كما أنّ الخصوصيّة الثانية هي التي تمنع عن ذلك، و هما خصوصيّتان راجعتان إلى ذات الصور الذهنيّة ثبوتاً بقطع النظر عن عالم الدلالة و الإثبات. و نعبّر عن الاولى بالإطلاق و عن الثانية بالتقييد.
٢- أنّ الصلاحيّة المذكورة في الخصوصيّة الاولى ثابتة ذاتاً في كلّ مفهومٍ معبّرٍ عن طبيعة كليّةٍ ذات أفراد ما لم يقيّد بقيدٍ زائدٍ على تلك الطبيعة، و ذلك لأنّ كلّ مفهومٍ معبّرٍ عن طبيعةٍ كليّةٍ ذات أفراد إنّما هو منتزعٌ من تلك الأفراد، و معنى انتزاعه من تلك الأفراد أنّه حصيلة تجريد تلك الأفراد من خصائصها الفرديّة، إذاً فهو محفوظ ذاتاً في كلّ فردٍ من تلك الأفراد، و هذا ما يجعله صالحاً ذاتاً للانطباق على جميع الحصص و الأفراد الداخلة تحت تلك الطبيعة ما لم يقيّد بقيدٍ زائدٍ على تلك الطبيعة.
٣- يترتّب على ما ذكرنا أنّه يكفي في تحقّق خصوصيّة الإطلاق مجرّد (عدم لحاظ القيد الزائد على ذات الطبيعة) بما هو أمرٌ عدمي، و لا حاجةَ فيه إلى ضمّ (لحاظ عدم أخذ القيد الزائد) بما هو أمر وجوديّ زائد على لحاظ ذات الطبيعة، و لا إلى شرط (قابليّة المحلّ لأخذ قيدٍ زائدٍ على ذات الطبيعة) بل يكفي فيه مجرّد الأمر العدمي الذي ذكرناه.
و نستنتج من ذلك أنّ كلّ صورة ذهنيّة معبّرةٍ عن طبيعة من الطبائع إذا لوحظ فيها أخذ قيدٍ زائدٍ على تلك الطبيعة تحقّقت الخصوصيّة الثانية (التقييد) و إذا لم يلحظ فيها ذلك تحقّقت الخصوصيّة الاولى (الإطلاق) بصورة عفويّة و ذاتيّة.
و هذا يعني أنّ التقابل بين الإطلاق و التقييد الثبوتيين تقابل التناقض و ليس تقابل الضدّين و لا تقابل العدم و الملكة