دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٨٤ - دلالات التقرير
من القول بأنّها تمسّ الشارع؛ لأنّها توجب- على أساس العادة- الجريَ على طبقها حتّى في نطاق الأغراض التشريعيّة لمولى لم يساهم في تلك السيرة، و توحي- و لو ارتكازاً و خطأً- بأنّ مؤدّاها مورد الاتّفاق من الجميع، و بذلك تصبح مستدعيةً للردع على فرض عدم التوافق، و يكون السكوت عندئذٍ كاشفاً عن الإمضاء.
و بهذا نعرف أنّ الشرط في الاستدلال بالسيرة العقلائيّة على الحجّية بمعناها الاصوليّ (المنجِّزية و المعذِّرية) أن تكون السيرة العقلائيّة في مجال التطبيق قد افترضت ارتكازاً اتّفاق الشارع مع غيره في الحجّية، و جرت في علاقتها مع الشارع على أساس هذا الافتراض، أو أن تكون على الأقلّ بنحوٍ يعرّضها لهذا الافتراض و الجري.
و هذا معنىً قد يثبت في السيرة العقلائيّة على العمل بالأمارات الظنّية في المقام الأوّل أيضاً [١]، أي في مجال الأغراض الشخصيّة
[١] قلنا سابقاً: إنّ السيرة القائمة بين العقلاء بلحاظ مرحلة الظاهر تارةً تكون في مقام تحصيل الأغراض الشخصيّة التكوينيّة، و اخرى في مقام تحصيل الأغراض التشريعيّة المولويّة، و كان بيان الاستشكال في استنباط الحكم الظاهري من ذلك مختلفاً في المقامين، و هنا ينبّه السيّد الشهيد (رحمه الله) على أنّ الحلّ الذي وضعناه للاستشكال المذكور بلحاظ المقام الثاني يمكن طرحه أيضاً بلحاظ المقام الأوّل، و ذلك لأنّ السيرة القائمة بين العقلاء على العمل ببعض الأمارات الظنّية في مجال الأغراض الشخصيّة التكوينيّة و إن كانت لا دلالة فيها بحدّ ذاتها على حجّية تلك الأمارة لا عند العقلاء و لا عند الشارع- حتّى في فرض سكوته عنها- لأنّ الحجّية تستبطن معنى التنجيز و التعذير، في حين أنّ العمل بتلك الأمارة في مجال الأغراض الشخصيّة لا تستبطن هذا المعنى أبداً، و لكنّ هذه السيرة قد تولّد عادةً و ذوقاً توجب العمل بتلك الأمارة حتّى في مجال الأحكام الشرعيّة الإلهيّة، أو يجعلهم في معرض العمل بها في هذا المجال على أقلّ تقدير، بحيث تصبح الأغراض الشرعيّة الإلهيّة في خطر الضياع لو لم تكن تلك الأمارة حجّة عند الشارع تبارك و تعالى، و في مثل ذلك لو سكت الشارع عن هذه السيرة العقلائيّة و لم يحاول المنع عن هذا الخطر كان ذلك دليلًا على قبوله بحجّية تلك الأمارة و رضاه بها حتّى في مجال مولويّته هو تبارك و تعالى