دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٨٢ - دلالات التقرير
حجّة بلحاظ كلّ حكمٍ و حاكمٍ و أمرٍ و آمرٍ بما فيهم الشارع، فيكون هذا البناء مضرّاً بالشارع إذا لم يكن قد جعل الحجّية لقول اللغوي؟.
قلنا: إنّ كون قول اللغويِّ منجِّزاً لحكمٍ أو معذِّراً عنه أمر لا يعقل جعله و اتّخاذ قرارٍ به إلّا من قبل جاعل ذلك الحكم بالنسبة إلى مأموره و مكلَّفه، فكلّ أبٍ- مثلًا- قد يجعل الأمارة الفلانيّة حجّةً بينه و بين أبنائه بلحاظ أغراضه التشريعيّة التي يطلبها منهم، و لا معنى لِأنْ يجعلها حجّةً بالنسبة إلى سائر الآباء الآخرين مع أبنائهم.
و هكذا يتّضح أنّ الحجّية المتبانى عليها عقلائيّاً إنّما هي في حدود الأغراض التشريعيّة لأصحاب البناء أنفسهم، فلا يضرّ الشارع ذلك.
و ليس بالإمكان [١] تصحيح الاستدلال بالسيرة على الحجّية بأفضل
[١] من هنا يحاول السيّد الشهيد (رحمه الله) أن يجد حلّاً مناسباً لأصل الاستشكال المذكور في استنباط الحكم الظاهري من السيرة القائمة بين العقلاء بلحاظ مرحلة الظاهر، كسيرتهم على العمل ببعض الأمارات الظنّية، فيقول (رحمه الله): لا يمكن حلّ هذا الاستشكال بأفضل من القول بأنّ هذه السيرة العقلائيّة و إن كانت لا تعني في الواقع سوى بناءَهم على حجّية تلك الأمارة الظنّية في غير مجال مولويّة الشارع تبارك و تعالى و حدود أوامره و نواهيه، و ذلك لما قلنا من اختلاف مجال مولويّة هؤلاء عن مجال مولويّة الشارع تبارك و تعالى، و عدم اشتمال الحجّية في المجالين لأثر عمليّ مشترك، و عدم إمكان تدخّل مولىً في شئون مولويّة مولىً آخر، كما وضّحنا كلّ ذلك بالتفصيل، و لكن لمّا كان العقلاء يتورّطون في كثير من الأحيان في ارتكازات ذهنيّة خاطئةٍ لا تبتني إلّا على أساس جري العادة عندهم على سلوكٍ معيّن، أو على أساس تشابه شيء لشيء آخر، أو غير ذلك من الاسس غير المتينة، فمن المعقول جدّاً أن يعتادوا مثلًا على العمل بقول اللغوي أو أيّ أمارة اخرى من الأمارات الظنّية إلى درجةٍ تولّد عندهم الارتكاز الخاطئ بحجّية تلك الأمارة عند جميع الموالي و بلحاظ الأغراض التشريعيّة بين جميع الموالي و العبيد، بحيث يشمل حتّى الأغراض التشريعيّة الراجعة إليه تبارك و تعالى، بالرغم من عدم إمكان جعل الحجّية من قبلهم عقلًا إلّا في مجال مولويّتهم أنفسهم و في حدود الأغراض التشريعيّة الراجعة إليهم، و لا يحقّ لهم التدخّل في شئون مولىً آخر، فإذا حصل مثل هذا الارتكاز الذهني الخاطئ عند العقلاء أصبحت الأغراض الشرعيّة الراجعة إلى الشارع تبارك و تعالى في خطر على تقدير عدم موافقته على حجّية تلك الأمارة، و كان عليه حينئذٍ الردع عن تلك السيرة أو عن هذا الارتكاز الخاطئ، فإن لم يفعل كان ذلك دليلًا على قبوله بحجّية تلك الأمارة حتّى في أغراضه التشريعيّة الخاصّة به تبارك و تعالى