دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٣٦٩ - دلالات التقرير
سكوته نقضاً للغرض، أو باعتبار أنّه لو لم يكن الموقف سائغاً شرعاً لوجب على المعصوم الردع عنه و التنبيه.
و إمّا على أساسٍ استظهاريٍّ باعتبار ظهور حال المعصوم في كونه بصدد المراقبة و التوجيه [١].
و الموقف قد يكون فرديّاً، و كثيراً ما يتمثّل في سلوكٍ عامٍّ يسمّى ببناء العقلاء أو السيرة العقلائيّة، و من هنا كانت السيرة العقلائيّة دليلًا على الحكم الشرعي، و لكن لا بذاتها، بل باعتبار تقرير الشارع لها و إمضائه المكتشف من سكوت المعصوم و عدم ردعه [٢].
[١] و هذا الظهور الحالي مشمول لأدلّة حجّية الظهور، و لا يتوقّف على توفّر جملة من الشرائط التي كان يتوقّف عليها الأساس العقلي، و منها العلم بعدم ابتلائه (عليه السلام) بظروف التقيّة، و ذلك لأنّ الأساس العقلي للدلالة لا بدّ فيه من حصول اليقين بالتلازم و ما دام يوجد احتمال التقيّة و نحوها من الموانع لا يحصل اليقين بالتلازم، و أمّا الأساس الاستظهاري فلا يتوقّف على حصول اليقين بالتلازم بل يكفي فيه ظهور الحال بالمقدار الذي يجعله مشمولًا لأدلّة الحجّية
[٢] و هذا بخلاف سيرة المتشرّعة التي نعرف فيها بحساب الاحتمالات أنّها وليدة الدليل الشرعي، كما مضى شرحها في الحلقة الثانية (في بحث وسائل الإثبات الوجداني، تحت عنوان: سيرة المتشرّعة) فإنّها تكشف عن وجود الدليل الشرعي بطريقة الكشف الإنّي، أي من قبيل كشف المعلول عن العلّة، و لا حاجةَ فيها إلى ضمّ دلالة السكوت على الإمضاء.
و بهذا يظهر الفرق الأساسي بين سيرة العقلاء و سيرة المتشرّعة من حيث كيفيّة استنباط الحكم الشرعي منهما، فإنّ الاولى لا يمكن استنباط الحكم الشرعي منها مباشرةً بل عن طريق دلالة السكوت على الإمضاء، بخلاف الثانية فإنّها هي تكشف عن وجود دليل شرعي على طبقها فيستنبط الحكم الشرعي منها بدون حاجة إلى دلالة السكوت على الإمضاء.
و لهذا بحث استاذنا الشهيد (رحمه الله)- في الحلقة الماضية و في هذه الحلقة- سيرة العقلاء ضمن بحث دلالة التقرير، بينما بحث سيرة المتشرّعة- في الحلقة الماضية- ضمن بحث وسائل الإحراز الوجداني للدليل الشرعي، و لم يعد إلى بحثها في هذه الحلقة اكتفاءً بما بحثها به هناك