دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٩٧ - نحو دلالة أدوات العموم
و لكنّ التحقيق عدم تمامية هذا البرهان؛ لعدم لزوم لَغويّة وضع الأداة للعموم من قبل الواضع، و لا لَغويّة استعمالها في مقام التفهيم من قبل المتكلّم؛ و ذلك لأنّ العموم و الإطلاق ليس مفادهما مفهوماً و تصوّراً شيئاً واحداً، فإنّ أداة العموم مفادها الاستيعاب و إراءة الأفراد في مرحلة مدلول الخطاب، و أمّا قرينة الحكمة فلا تفيد الاستيعاب، و لا تُري الأفراد في مرحلة مدلول الخطاب، بل تفيد نفي الخصوصيّات و لحاظ الطبيعة مجرّدةً عنها، فالتكثّر ملحوظ في العموم، بينما الملحوظ في الإطلاق ذات الطبيعة، و هذا يكفي لتصحيح الوضع حتّى لو لم ينتهِ إلى نتيجةٍ عمليّةٍ بالنسبة إلى الحكم الشرعي [١]؛ لأنّ الفائدة
[١] بمعنى أنّ الشارع تبارك و تعالى سواء استخدم أداة العموم للتعبير عن مراده فقال مثلًا: (أكرم كلّ فقير) أو لم يستخدم ذلك و اكتفى بالإطلاق و قرينة الحكمة فقال: (أكرم الفقير) فسيثبت على كلا التقديرين استيعاب هذا الحكم الشرعي لجميع الفقراء، فلا فرق بين الحالتين من حيث الحكم الشرعي المستنتج من الدليل الشرعي، و لكنّ هذا لا يعني تجرّد وضع الأداة عن الفائدة نهائيّاً حتّى يصبح وضعها لغواً، كما لا يعني تجرّد استعمالها عن الفائدة نهائيّاً أيضاً حتّى لا يصحّ استعمالها.
أمّا الأوّل فلما جاء في المتن من أنّ الفائدة المترقّبة من الوضع إنّما هي إمكان إفادة المعاني المختلفة بألفاظ متفاوتة، و هذه الفائدة حاصلة في الأداة حتّى و إن كانت دلالتها على الاستيعاب متوقّفةً على إجراء الإطلاق في المدخول، و ذلك لما سبق من أنّ العموم و الإطلاق ليس مفادهما مفهوماً و تصوّراً شيئاً واحداً.
و أمّا الثاني فلما أشار إليه في المتن أيضاً من أنّ المستعمِل- سواءً كان شارعاً أو غيره- قد يتعلّق غرضه بوصفه مستعمِلًا بإفادة التكثّر بنفس مدلول الخطاب، كما هو كذلك في موارد استعمال أداة العموم، و إن لم يؤثّر ذلك على مراده بوصفه شارعاً، و هذا يكفي لصحّة الاستعمال و عدم لغويّته حتّى من قبل الشارع