دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٢٣٥ - القسم الأوّل ما يدلّ على الطلب بلا عناية
و يرد عليه المنع من إطلاق المقدمة الثانية، فإنّه ليس كلّ أمرٍ عدميٍّ لا يلحظ أمراً زائداً عرفاً، و لهذا لا يرى في المقام أنّ النسبة عرفاً بين الوجوب و الاستحباب نسبة الأقلّ و الأكثر، بل [هي] النسبة بين مفهومين متباينين فلا موجب لتعيين أحدهما بالإطلاق.
ثالثها: أنّ صيغة الأمر تدلّ على الإرسال و الدفع بنحو المعنى الحرفي، و لمّا كان الإرسال و الدفع مساوقاً لسدِّ تمام أبواب العدم للتحرّك و الاندفاع، فمقتضى أصالة التطابق بين المدلول التصوريّ و المدلول التصديقيّ أنّ الطلب و الحكم المبرَز بالصيغة سنخ حكمٍ يشتمل على سدِّ تمام أبواب العدم، و هذا يعني عدم الترخيص في المخالفة [١].
[١] و قد جاء ما يقارب هذا الوجه في (نهاية الأفكار ١- ٢: ١٦٣). و توضيح ذلك: أنّ صيغة الأمر لمّا كانت تدلّ على الإرسال- و لو على نحو المعنى الحرفي- لا على مجرّد الطلب، كان ذلك مساوقاً لسدّ جميع أبواب عدم التحرّك و الاندفاع نحو متعلّق الأمر، إذ كما أنّ الإرسال التكويني نحو شيءٍ لا يحصل إلّا بسدّ جميع أبواب عدم التحرّك و الاندفاع نحو ذلك الشيء تكويناً، بمعنى أنّه لو لم يندفع نحو ذلك الشيء- سواء بسبب عدم وجود المقتضي أو بسبب وجود المانع أو بأيّ سبب من الأسباب- لم يتحقّق الإرسال التكويني، فلكي يتحقّق الإرسال التكويني لا بدّ و أن يغلق عليه تكويناً جميع الأبواب التي تؤدّي إلى عدم التحرّك و الاندفاع نحو المقصود، كذلك الإرسال التشريعي فإنّه لا يحصل إلّا بأن يسدّ عليه جميع أبواب عدم التحرّك و الاندفاع نحو متعلّق الأمر تشريعاً، بمعنى أنّ الإنسان المطيع لتشريعات مولاه لو لم يندفع نحو شيء فتارة يكون ذلك من باب عدم صدور الأمر بذلك الشيء من قبل مولاه و اخرى من باب كون الأمر الصادر استحبابيّاً لا وجوبيّاً، فلكي يتحقّق الإرسال التشريعي له من قبل مولاه لا يكفي مجرّد إصدار الأمر من قبله و إن كان استحبابيّاً، بل لا بدّ و أن يسدّ عليه جميع الأبواب التي تبرّر له عدم التحرّك و الاندفاع نحو ذلك الشيء، و هذا يساوق الوجوب.
فإذا صدر الأمر و شككنا في أنّه هل قصد بذلك سدّ جميع أبواب عدم التحرّك الذي يساوق الوجوب أو قصد به سدّ بعض أبواب عدم التحرّك الذي يناسب الاستحباب كان مقتضى الإطلاق إرادة سدّ جميع أبواب عدم التحرّك الذي يساوق الوجوب.
و هذا الوجه يختصّ- كما عرفت- بما إذا كان الأمر دالّاً على الإرسال لا على مجرّد الطلب- كما يدّعى ذلك في صيغة الأمر- فإنّ مجرّد الطلب لا يساوق سدّ جميع أبواب عدم التحرّك نحو المطلوب كما هو واضح، و لأجل ذلك خصّ هذا الوجه في المتن بصيغة الأمر دون مادّته فإنّ مادّة الأمر إنّما تدلّ على الطلب لا على الإرسال.
و لكنّ المحقّق العراقي (رحمه الله) لم يخصّ بيانه المقارب لهذا الوجه بصيغة الأمر رغم أنّه ليس له محصّل معقول إلّا بالرجوع إلى هذا الوجه فلاحظ