دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٥٤ - تبعية الدلالة الالتزامية للدلالة المطابقية
الثاني: أنّ الكشفين في الدلالتين قائمان دائماً على أساس نكتةٍ واحدة، من قبيل نكتة استبعاد خطأ الثقة في إدراكه الحسّيّ للواقعة، فإذا أخبر الثقة عن دخول شخصٍ للنار ثبت دخوله و احتراقه و موته بذلك بنكتة استبعاد اشتباهه في رؤية دخول الشخص إلى النار، فإذا عُلم بعدم دخوله و أنّ المخبر اشتبه في ذلك فلا يكون افتراض أنّ الشخص لم يمت أصلًا متضمِّناً لاشتباهٍ أزيد ممّا ثبت. و بذلك يختلف المقام عن خبرين عرضيّين عن الحريق من شخصين إذا علم باشتباه أحدهما في رؤية الحريق، فإنّ ذلك لا يبرِّر سقوط الخبر الآخر عن الحجّية؛ لأنَّ افتراض عدم صحة الخبر يتضمّن اشتباهاً وراء الاشتباه الذي علم [١].
[١] يبدو لي أنّ تقريب هذا الوجه لإثبات تبعيّة الدلالة الالتزاميّة للدلالة المطابقيّة يتوقّف على مقدّمتين:
المقدّمة الاولى: ما جاء في المتن من أنّ كشف الدليل عن مدلوله المطابقي و كشفه عن مدلوله الالتزامي قائمان على أساس نكتة واحدة بخلاف الكشف الحاصل من خبرين عرضيّين.
و المقدّمة الثانية- التي لم يأتِ ذكرها في المتن-: أنّ الحجّية تنصبّ على نكتة الكشف لا على ذات الكشف و هذا يعني أنّ سقوط الدلالة المطابقيّة عن الحجّية إنّما ينبع عن سقوط حجّية تلك النكتة المشتركة بينها و بين الدلالة الالتزاميّة و بذلك تسقط الدلالة الالتزاميّة عن الحجّية أيضاً، بخلاف الخبرين العرضيّين- و إن كان مفادهما واحداً- فإنّ سقوط أحدهما عن الحجّية لا يستلزم سقوط الآخر لأنّ كشف كلّ منهما قائم على أساس نكتة مغايرة لنكتة كشف الآخر.
أمّا سبب الحاجة إلى هذه المقدّمة الثانية فهو أنّ لقائل أن يقول: إنّ وحدة نكتة الكشفين إنّما تعني الترابط بينهما في الوجود- بمعنى أنّه لو زال أحد الكشفين من أساسه زال الكشف الثاني و إن كان مدلوله أعمّ من الأوّل- و لا تعني الترابط بينهما في الحجّية، فقد تسقط حجّية أحدهما بمعارض و نحوه- رغم بقاء ذات الكشف- و يبقى الثاني تحت إطلاق دليل الحجّية ما لم يبتلِ بمثل ما ابتلى به الأوّل. و لأجل التغلّب على هذا الاعتراض لا بدّ من دعوى وحدة مصبّ الحجّية بالبيان الذي ذكرناه في المقدّمة الثانية حتّى يتمّ الترابط بين الحجّيتين