دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ١٢٦ - حجّية القطع غير المصيب و حكم التجرّي
و قد يقال: إنّ القطع الذاتيّ و إن كان منجِّزاً- لما ذكرناه- و لكنّه ليس بمعذِّر [١]، فالقَطَّاع إذا قطع بعدم التكليف و عمل بقطعه و كان التكليف ثابتاً في الواقع فلا يعذَّر في ذلك؛ لأحد وجهين:
الأوّل: أنّ الشارع ردع عن العمل بالقطع الذاتيّ أو ببعض مراتبه المتطرِّفة على الأقلّ، و هذا الردع ليس بالنهي عن العمل بالقطع بعد حصوله، بل بالنهي عن المقدّمات التي تؤدّي إلى نشوء القطع الذاتيّ للقَطّاع، أو الأمر بترويض الذهن على الاتِّزان، و هذا حكم طريقيّ يراد به تنجيز التكاليف الواقعية التي يخطئها قطع القَطّاع و تصحيح العقاب على مخالفتها [٢]، و هذا أمر معقول، غير أنّه لا دليل عليه
[١] قد يستفاد هذا التفصيل في حجّية قطع القطّاع من تقرير بحث المحقّق العراقي (رحمه الله) حيث حكم فيه بإمكان دعوى عدم معذّريّة القطع الناشئ عن تقصير المكلّف في مقدّمات حصول قطعه و أنّه لا يستلزم نفي المنجّزيّة عنه في مقام إثبات الاشتغال (نهاية الأفكار ٣: ٤٣)، فإنّه بظاهره يشمل ما إذا كان التقصير في المقدّمات ناشئاً من كونه قطّاعاً بأسباب اختياريّة أو ناشئاً من الخوض في المقدّمات العقليّة التي نهى الشارع عن الخوض فيها. كما ورد ما يشبه ذلك أيضاً في تقرير بحث السيّد الخوئي (رحمه الله) لكنّه بالنسبة إلى خصوص القطع الناشئ من الخوض في المطالب العقليّة بدعوى أنّه مرغوب عنه فيكون مقصّراً في المقدّمات (مصباح الاصول ٢: ٦٠)
[٢] توضيح ذلك: أنّ النهي عن المقدّمات التي تؤدّي إلى نشوء القطع الذاتي للقطّاع أو الأمر بترويض الذهن على الاتّزان ليس حكماً حقيقيّاً ناشئاً من المفسدة في نفس تلك المقدّمات أو من المصلحة في نفس ذلك الترويض، بل إنّما هو حكم طريقيّ يحمل روح الأحكام الظاهريّة و يراد به الحفاظ على الأحكام الواقعيّة التي تضيع على العبد لو أصبح قطّاعاً و ابتلى بقطوع ذاتيّة نافية للتكليف، و بهذا الحكم الطريقيّ تتنجّز تلك الأحكام على العبد و يعاقب عليها و إن حصل له القطع بعدمها على أثر ارتكابه لتلك المقدّمات المنهي عنها، فإنّ هذا القطع و إن كان يخيّل له الأمان من العقاب لكنّه لا يؤمّنه عنه في الواقع بل يكون مستحقّاً للعقاب على مخالفته للأحكام الواقعيّة التي قطع بعدمها ما دام هذا القطع قد حصل بسوء اختياره مع علمه منذ البداية بذلك الحكم الطريقي، و هذا يعني أنّ الحكم الطريقيّ المذكور استطاع أن يسلب المعذّريّة عن قطع القطّاع و يجعله مستحقّاً للعقاب و إن لم يصدّق به القطاع نفسه في ظرف قطعه.
و لا يخفى أنّ الوجه المذكور لو تمّ فإنّما يجري لسلب المعذّريّة عن قطع القطّاع و لا يجري لسلب المنجّزيّة عنه، و ذلك لأنّه و إن أمكن صدور النهي من قبل الشارع (تبارك و تعالى) عن المقدّمات التي تؤدّي إلى نشوء القطع الذاتي للقطّاع أو الأمر بترويض الذهن على الاتّزان لأجل الحفاظ على ملاكات الإباحة الواقعيّة التي تضيع على العبد لو أصبح قطّاعاً و ابتلى بقطوع ذاتيّة مثبتة للتكليف، لكنّ هذا لا يعني أنّه لو تعمّد ارتكاب تلك المقدّمات و لم يروّض ذهنه على الاتّزان فابتلى بقطوع ذاتيّة مثبتة للتكليف لم يتنجّز عليه التكليف بقطعه لكون هذا القطع حاصلًا بسوء اختياره مع علمه مسبقاً بالنهي عن مقدّمات تحصيله، فإنّ سوء اختياره هذا مع علمه بالنهي المذكور لا يمكن أن يسبّب له التوسعة و يمتّعه بالتعذير عن التكليف الذي قطع بثبوته، بل إنّما يجعله مسئولًا و معاقباً على سلب الحرّيّة عن نفسه و تضييع ملاكات الإباحة على نفسه بسوء اختياره