الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٧٥ - تأويل آية
و هذا أيضا أكثر من أن يحصى، و إنما فضّل الكلام الفصيح بعضه على بعض؛ لقوّة حظه من إفادة المعانى الكثيرة بالألفاظ المختصرة.
فأما قوله تعالى: ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى اَلْمَلاََئِكَةِ بعد ذكر الأسماء التى لا تليق بها هذه الكناية، فالمراد به أنه عرض المسمّيات؛ لأن الكناية لا تليق بالأسماء، و لا بدّ من أن تكون تلك المسميات، أو فيها ما يجوز [١] أن يكنّى عنه بهذه الكناية؛ لأنها لا تستعمل إلاّ فى العقلاء و من يجرى مجراهم.
و قيل إن فى قراءة أبىّ: ثمّ عرضها و فى قراءة عبد اللّه بن مسعود: ثمّ عرضهنّ و على هاتين القراءتين يصلح أن تكون عبارة عن الأسماء.
و قد يبقى فى هذه الآية سؤال لم نجد أحدا ممّن تكلم فى تفسير القرآن، و لا فى متشابهه و مشكله تعرّض له؛ و هو من مهمّ ما يسأل عنه.
و ذلك أن يقال: من أين علمت الملائكة لما خبّرها آدم عليه السلام بتلك الأسماء صحة قوله، و مطابقة الأسماء للمسمّيات؛ و هى لم تكن عالمة بذلك من قبل؛ إذ لو كانت عالمة لأخبرت بالأسماء؛ و لم تعترف بفقد العلم؛ و الكلام يقتضي أنّهم لما أنبأهم آدم بالأسماء/علموا صحتها و مطابقتها للمسميات؛ و لو لا ذلك لم يكن لقوله: أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ معنى، و لا كانوا مستفيدين بذلك نبوّته و تمييزه و اختصاصه بما ليس لهم؛ لأنّ كلّ ذلك إنما يتمّ مع العلم دون غيره.
و الجواب أنّه غير ممتنع أن يكون الملائكة فى الأوّل غير عارفين بتلك الأسماء؛ فلما أنبأهم آدم عليه السلام بها فعل اللّه لهم فى الحال العلم الضرورى بصحتها و مطابقتها للمسميات؛ إما عن طريق أو ابتداء بلا طريق؛ فعلموا بذلك تميّزه [٢] و اختصاصه؛ و ليس لأحد أن يقول:
إن ذلك يؤدى إلى أنهم علموا نبوّته اضطرارا؛ و فى هذا منافاة طريقة التكليف؛ و ذلك أنّه ليس فى علمهم بصحة ما أخبر به ضرورة ما يقتضي العلم بالنبوّة ضرورة، بل بعده
[١] حاشية الأصل (من نسخة) : «من يجوز» .
[٢] من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «تمييزه» .