الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٦ - تأويل خبر
قال ابن قتيبة: كنت حضرت يوما مجلس يحيى بن أكثم بمكة، فرأيته يذهب إلى أنّ البيضة فى هذا الحديث بيضة الحديد التى تغفر الرأس فى الحرب، و أن الحبل من حبال السفن، قال: و كلّ واحد من هذين يبلغ ثمنه دنانير كثيرة؛ قال: و رأيته يعجب بهذا التأويل، و يبدى فيه و يعيد، و يرى أنه قطع به حجة الخصم.
قال ابن قتيبة. و هذا إنما يجوز على من لا معرفة له باللغة و مخارج الكلام، و ليس هذا موضع تكثير لما يأخذه السارق فيصرفه إلى بيضة تساوى دنانير؛ و حبل لا يقدر السارق على حمله؛ و لا من عادة العرب و العجم أن يقولوا: قبح اللّه فلانا!عرّض نفسه للضرر فى عقد جوهر، و تعرّض لعقوبة الغلول فى جراب مسك؛ و إنما العادة فى مثل هذا أن يقال: لعنه اللّه، تعرّض للقطع فى حبل رثّ، أو إداوة خلق، أو كبّة شعر؛ و كلّ ما كان من ذلك أحقر كان أبلغ.
قال: و الوجه فى الحديث أن اللّه تعالى لما أنزل على رسوله صلى اللّه عليه و آله: وَ اَلسََّارِقُ وَ اَلسََّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمََا جَزََاءً بِمََا كَسَبََا ؛ قال رسول اللّه صلى عليه و آله: «لعن اللّه السارق؛ يسرق البيضة/فتقطع يده» ، على ظاهر ما أنزل عليه [١] فى ذلك الوقت، ثمّ أعلمه اللّه تعالى بعد أن القطع لا يكون إلاّ فى ربع دينار فما فوقه، و لم يكن عليه السلام يعلم من حكم اللّه تعالى إلا ما علّمه اللّه تعالى، و ما كان اللّه يعرّفه ذلك جملة جملة، بل بيّن [٢] شيئا بعد شيء.
قال سيدنا أدام اللّه علوّه: و وجدت أبا بكر الأنبارىّ يقول: ليس الّذي طعن به ابن قتيبة [٣] على تأويل الخبر بشيء؛ قال: لأن البيضة من السلاح ليست علما فى كثرة الثمن و نهاية علوّ القيمة؛ فتجرى مجرى العقد من الجوهر، و الجراب من المسك؛ اللّذين هما ربّما ساويا الألوف من الدنانير، و البيضة من الحديد ربّما اشتريت بأقلّ مما يجب فيه القطع، و إنما أراد عليه السلام أنه يكتسب قطع يده بما لا غنى له به، لأن البيضة من السلاح لا يستغنى بها أحد، و الجوهر و المسك فى اليسير منهما غنى.
[١] ف: «إليه» .
[٢] حاشية الأصل (من نسخة) : » بل يبين له» .
(٣-٣) م: «ليس الّذي ذكر ابن قتيبة» .