الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٣٨ - مسألة فى تفضيل الأنبياء على الملائكة عليهم السلام
أكثر ثوابا لا محالة من المسيح منفردا؛ و هذا لا يقتضي أن كلّ واحد منهم أفضل من المسيح عليه السلام؛ و إنما الخلاف فى ذلك.
و يقال لهم فيما تعلقوا به ثالثا: ما أنكرتم أن يكون المراد بقوله تعالى: عَلىََ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنََا تَفْضِيلاً أنّا فضّلناهم على من خلقنا و هم كثير؛ و لم يرد التبعيض؛ و يجرى ذلك مجرى قوله تعالى: وَ لاََ تَشْتَرُوا بِآيََاتِي ثَمَناً قَلِيلاً ؛ [البقرة: ٤١]معناه: لا تشتروا بها ثمنا قليلا، و كلّ ثمن تأخذونه عنها قليل؛ و لم يرد التخصيص و المنع من الثمن القليل خاصة؛ و مثله قول الشاعر:
من أناس ليس فى أخلاقهم # عاجل الفحش و لا سوء الجزع [١]
و إنما أراد نفى الفحش كلّه عن أخلاقهم؛ و إن وصفه بأنه عاجل، و نفى الجزع عنها و إن وصفه بالسّوء؛ و هذا من غريب البلاغة و دقيقها؛ و نظائره فى الشعر و الكلام الفصيح لا تحصر.
و قد كنا أملينا فى تأويل هذه الآية كلاما مفردا استقصيناه و شرحنا هذا الوجه، و أكثرنا من ذكر أمثلته.
و وجه آخر فى تأويل هذه الآية؛ و هو أنّه غير ممتنع أن يكون جميع الملائكة أفضل من جميع بنى آدم؛ و إن كان فى جملة بنى آدم من الأنبياء عليهم السلام من يفضل كلّ واحد منهم على كلّ واحد من الملائكة؛ لأنّ الخلاف إنما هو فى فضل كلّ بنى آدم على كلّ ملك.
و غير ممتنع أن يكون جميع الملائكة فضلاء، يستحقّ كلّ واحد منهم الجزيل الأكثر من الثواب؛ فيزيد ثواب جميعهم على ثواب جميع بنى آدم؛ لأنّ الأفاضل من بنى آدم أقلّ عددا؛ و إن كان فى بنى آدم آحاد؛ كلّ واحد منهم أفضل من كلّ واحد من الملائكة.
و وجه آخر: و مما يمكن أن يقال فى هذه الآية أيضا أنّ مفهوم الآية إذا تؤمّلت
[١] البيت لسويد بن أبى كاهلى اليشكري من قصيدة مفضلية (١٩١-٢٠٢ طبعة المعارف) .