الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣١٧ - مسألة
وَ مَنْ كََانَ فِي هََذِهِ أَعْمىََ فَهُوَ فِي اَلْآخِرَةِ أَعْمىََ وَ أَضَلُّ سَبِيلاً ؛ [الإسراء: ٧٢]من الكلام على هذا الوجه ما استوفيته [١] ، و ذكرت قول المتنبى:
ابعد بعدت بياضا لا بياض له # لأنت أسود فى عينى من الظّلم [٢]
و أن الألوان لا يتعجب منها بلفظ «أفعل» الموضوع للمبالغة، و كذلك الخلق كلها؛ و إنما يقال: ما أشدّ سواده!و أن معنى البيت ما ذكره أبو الفتح عثمان بن جنّى من أنه أراد:
أنّك أسود من جملة الظّلم؛ كما يقال: حرّ من أحرارا، و لئيم من لئام؛ فيكون الكلام قد تمّ عند قوله: «لأنت أسود» . و لو أراد المبالغة لما كان تامّا إلا عند صلة الكلام بقوله: «من الظّلم» ؛ و استشهد ابن جنّى أيضا على صحة هذا التأويل بقول الشاعر:
و أبيض من ماء الحديد كأنّه # شهاب بدا و اللّيل داج عساكره [٣]
كأنه قال: و أبيض كامن من ماء الحديد.
و قلت أنا: قول الشاعر:
يا ليتنى مثلك فى البياض [٤] # أبيض من أخت بنى إباض
يمكن حمله على ما حملناه عليه ببيت المتنبى؛ كأنه قال: أبيض من جملة أخت بنى إباض و من عشيرتها و قومها، و لم يرد المبالغة و التفضيل؛ و هو أحسن من قول أبى العباس المبرّد لما أنشد هذا البيت و ضاق ذرعا بتأويله على ما يطابق الأصول الصحيحة أنّ ذلك محمول على الشّذوذ و النّدران.
فإن قيل: كيف تكون نية المؤمن من جملة أعماله على هذا التأويل، و النية لا تسمى عملا فى العرف، و إنما تسمى بالأعمال أفعال الجوارح؛ و لهذا لا يقولون: عملت بقلبى، كما يقولون: عملت بيدى، و لا يصفون أفعال اللّه تعالى بأنها أعمال؟
قلنا: ليس يمتنع أن تسمى أفعال القلوب بأنها أعمال، و إن قل استعمال ذلك فيها، أ لا ترى
[١] المجلس السابع؛ الجزء الأول: ٨٧-٩٤.
[٢] ديوانه ٤: ٣٥.
[٣] البيتان ١: ٣٥ من غير عزو.
[٤] البيتان فى اللسان (بيض) .