الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٩٥ - تأويل آية
أن يمسّ الأرض، لأن الشيء إنما يشبّه الشيء إذا قاربه، أو دنا من معناه، فإذا أشبهه فى أكثر أحواله فقد صحّ التشبيه و لاق به.
و امرؤ القيس لم يقصد أن يشبه طول الذنب بطول ذيل العروس فقط، و إنما أراد السّبوغ و الكثرة و الكثافة، أ لا ترى أنه قال:
*تسدّ به فرجها من دبر*
و قد يكون الذنب طويلا يكاد يمس الأرض و لا يكون كثيفا، و لا يسد فرج الفرس فلما قال: «تسد به فرجها» علمنا أنه أراد الكثافة و السبوغ مع الطول، فإذا أشبه الذنب الذيل من هذه الجهة كان فى الطول قريبا منه، فالتشبيه صحيح، و ليس ذلك بموجب للعيب و إنما العيب فى قول البحترى: «ذنب كما سحب الرداء» ، فأفصح بأن الفرس يسحب ذنبه.
و مثل قول امرئ القيس قول خداش بن زهير:
/لها ذنب مثل ذيل الهدىّ # إلى جؤجؤ أيّد الزّافر
و الهدىّ: العروس التى تهدى إلى زوجها. و الأيّد: الشديد. و الزافر: الصّدر، لأنها تزفر منه". قال"فشبه الذنب الطويل السابغ بذيل الهدىّ، و إن لم يبلغ فى الطول إلى أن يمس الأرض"
قال سيدنا أدام اللّه تمكينه: و للبحترىّ وجه فى العذر يقرب من عذر امرئ القيس فى قوله: «مثل ذيل العروس» غير أن الآمدىّ لم يفطن له؛ و أول ما نقوله: إن الشاعر لا يجب أن يؤخذ عليه فى كلامه التحقيق و التحديد، فإن ذلك متى اعتبر فى الشعر بطل جميعه، و كلام القوم مبنىّ على التجوز و التوسع و الإشارات الخفية و الإيماء على المعانى تارة من بعد، و أخرى من قرب؛ لأنهم لم يخاطبوا بشعرهم الفلاسفة و أصحاب المنطق؛ و إنما خاطبوا من يعرف أوضاعهم و يفهم أغراضهم.