الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٧٧ - مسألة
و لعل أبا عليّ و غيره إنما عدل فى الشرط الثالث عن ذكر الأحوال لمّا ظن أنّه لا يمكن فيه ما أمكن فى الأول و الثانى. و نحن نبين أن الأمر بخلاف ما ظنه؛ و هو أنه لا يمتنع أن يحمل الشرط الأول على الماضى من الزمان، و الثانى على الحال، و الثالث على المنتظر و المستقبل.
و ليس لأحد أن يقول: لا واسطة عند المتكلّمين بين الماضى و المستقبل؛ لأنّ الفعل إما أن يكون معدوما فيكون مستقبلا، أو موجودا فيكون ماضيا؛ و إنما يجعل الأحوال ثلاثة النحويون، و لا يرتضى ذلك المتكلمون.
و الجواب عن هذا أنّ الصحيح أنه لا واسطة بين العدم و الوجود على ما ذكر، غير أن الموجود فى أقرب الزمان لا يمتنع أن نسميه حالا، و بينه و بين الماضى الغابر السالف فرق؛ كما كان كذلك بينه و بين المنتظر.
و أما بيان اختلاف المأمور؛ فأن يحمل الاتقاء الأوّل على اتقاء المعاصى العقلية التى تختصّ المكلّف و لا تتعداه، و الإيمان الأول الإيمان باللّه تعالى و بما أوجب الإيمان به، و الإيمان الثانى الإيمان بقبح هذه المعاصى و وجوب تجنبها، و الاتقاء الثالث الاتقاء لما يتعدّى من المعاصى من الظلم و الإساءة.
و ليس ينبغى أن يفزع فى أن الاتقاء الثالث يختص بمظالم العباد إلى ما اعتمده أبو عليّ من قوله تعالى: وَ أَحْسَنُوا من حيث كان الإحسان إذا كان متعديا فكذلك ما عطف عليه؛ لأن ذلك من ضعيف الاستدلال، لأن قول اللّه تعالى: وَ أَحْسَنُوا ليس بصريح فى أن المراد به الإحسان المتعدّى؛ لأنه غير ممتنع أن يريد به فعل الحسن و المبالغة فيه، و إن اختص الفاعل و لم يتعدّه؛ أ لا ترى أنهم يقولون لمن بالغ فى فعل الحسن و تناهى فيه و إن اختصه: أحسنت و أجملت!ثم إن سلّم أن المراد به الإحسان المتعدّى لم يمتنع أن يعطفه و هو متعدّ على فعل لا يتعدى؛ أ لا ترى أنه لو صرّح بذلك فقال: اتقوا المعاصى كلّها و القبائح، و أحسنوا إلى غيركم لكان حسنا غير قبيح!و إنما ينبغى أن يفزع فى التخصيص إلى الفرار من التكرار، و حمله على ما يفيد، و ذلك يغنى عما تكلّفه أبو عليّ.