الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٧٦ - مسألة
و أما بيان الوجه الثانى فهو أنا نعدل عن ظاهر الشرط فيما ولى الاتقاء؛ من ذكر الإيمان و عمل الصالحات، و نجعله ليس بشرط و إن كان معطوفا على شرط، لأن العدول عن الظاهر بالأدلّة القاهرة واجب لازم مستعمل فى أكثر القرآن؛ فكأنه تعالى لما أراد أن يبيّن وجوب الإيمان و عمل الصالحات و تأكّد لزومه، عطفه على ما هو واجب لازم من اتقاء المحارم لاشتراكهما فى الوجوب؛ و إن لم يشتركا فى كونهما شرطا فى نفى الجناح فيما يطعم؛ و هذا تفسّح و توسّع فى البلاغة يحار فيها العقل استحسانا و استغرابا؛ و تعويل على أن المخاطب بذلك على إرساله و العدول عن تفصيله يضع كلّ شيء منه فى موضعه؛ و كم فى القرآن من هذه الغرائب فى الفصاحة و العجائب و الحذوف و الاختصارات التى لا يتجاسر بليغ و لا فصيح على الإقدام عليها، و المرور بشعبها خوفا من الزلل و الخلل!
و أما الجواب عن مشكل التكرار فالوجه فيه على الجملة أن نجعل الأحوال التى يقع فيها الاتقاء و الإيمان و عمل الصالحات مختلفة بمضىّ و استقبال، فيزول التكرار، أو نجعل المأمور به من الاتقاء و الإيمان و عمل الصالحات مشروطا مخصوصا، يتناول الأوّل غير متناول الثانى، و الثانى غير متناول الأول؛ فيزول أيضا بذلك التكرار.
و قد أوّل المفسرون على اختلافهم بكثير من الجملة التى أشرنا هاهنا إليها، و ذكروا أن الشرط الأول يتعلّق بالزمان الماضى، و الشرط الثانى متعلّق [١] بالدوام على ذلك و الاستمرار على فعله، و الثالث مختص باتقاء ظلم العباد.
و ذكر أبو عليّ الجبائىّ هذا بعينه، و استدلّ على أنّ الاتقاء الثالث يختصّ بظلم العباد بقوله تعالى: وَ أَحْسَنُوا ، و أن الإحسان إذا كان متعديا وجب أن يكون ما أمروا باتقائه من المعاصى أيضا متعديا؛ و هذا ممن اعتمده من المفسرين مزج؛ لاختلاف الأحوال باختلاف المأمور به؛ و ما ينبغى أن يكون كذلك، بل الواجب أن نبطل التكرار. إما من جهة اختلاف الأحوال من غير أن نمزجها باختلاف غيرها؛ أو نعدل عن اختلاف الأحوال فنبطل التكرار من حيث اختلاف المأمور به فى عموم و خصوص.
[١] حاشية ف (من نسخة) : «يتعلق» .