الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٠٨ - تأويل آية
فأما قوله تعالى: يَكََادُ سَنََا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصََارِ فسنا البرق ضوأه، و هو مقصور، و سناء المجد و الشرف ممدود، و الهاء فى بَرْقِهِ راجعة إلى البرد أو السحاب؛ فقد جرى ذكر كلّ واحد منهما؛ و يجوز إضافة البرق إليهما.
فأما قوله: يَذْهَبُ بِالْأَبْصََارِ و قد قرئ يَذْهَبُ بضم الياء؛ فالمراد به أنّ البرق من شدة ضوئه يكاد يذهب بالعيون؛ لأنّ النظر إلى ماله شعاع شديد يضرّ بالعين؛ كعين الشمس و ما أشبهها؛ و القراءة بفتح الهاء أجود مع دخول الباء؛ تقول العرب: ذهبت بالشيء؛ فإذا أدخلوا الألف أسقطوا الباء فقالوا: أذهبت الشيء؛ بغير باء.
فأما قوله: يُقَلِّبُ اَللََّهُ اَللَّيْلَ وَ اَلنَّهََارَ فإنما أراد أنه يأتى بكلّ واحد منهما بدلا من صاحبه، و معاقبا له؛ لما فى ذلك من المصلحة و المنفعة.
فأما قوله تعالى: إِنَّ فِي ذََلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي اَلْأَبْصََارِ فإنما أراد بالعبرة العظة و الاعتبار، و روى عن الحسن أنه قال: إنما أراد ذوى أبصار القلوب لا العيون؛ لأنّ العين لا تضاف إليها العبرة و العظة.
و قال الكلبىّ: لأولى الأبصار فى الدين. و ردّ قوم على الكلبىّ بأن قالوا: لو أراد ذلك لقال: لأولى البصائر، لأنّ الدين يقال: فيه بصيرة لا بصر.
و الأولى أن يكون المراد بالأبصار هاهنا العيون، لأن بالعيون ترى هذه العجائب التى عدّدها اللّه تعالى، ثم يكون الاعتبار و العظة فى القلب بها، و يكون من لا موعظة له و لا اعتبار كأنه لا بصر له؛ من حيث لم ينتفع ببصره، فجعل أولى الأبصار هم أولى الاعتبار من حيث انتفع أولو الاعتبار بأبصارهم، و إن لم ينتفع بها من لا اعتبار عنده؛ و هذا كثير فى القرآن؛ فإنه تعالى جعل الكفار فى مواضع كثيرة صما و بكما و عميا؛ من حيث أشبهوا بإعراضهم عن الفكر و التأمل و الاعتبار من لا جوارح له. و هذا بيّن لمن تأمله.