الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٧٣ - تأويل آية أخرى
و قد يجوز أيضا أن يحمل قوله تعالى: وَ إِنَّهُمْ لَكََاذِبُونَ على غير الكذب الحقيقىّ؛ بل يكون المراد و المعنى أنهم تمنوا ما لا سبيل إليه فكذب [١] أملهم و تمنّيهم؛ و هذا مشهور فى الكلام؛ لأنهم يقولون لمن تمنى ما لا يدرك: كذب أملك، و أكدى رجاؤك؛ و ما جرى مجرى ذلك؛ قال الشاعر:
كذبتم و بيت اللّه لا تأخذونها # مراغمة ما دام للسّيف قائم
و قال آخر:
كذبتم و بيت اللّه لا تنكحونها # بنى شاب قرناها تصرّ و تحلب [٢]
و لم يرد الكذب فى الأقوال؛ بل فى التمنى و الأمل.
و ليس لأحد أن يقول: كيف يجوز من أهل الآخرة مع معارفهم الضرورية، و أنهم عالمون بأنّ الرجوع إلى الدنيا لا سبيل إليه أن يتمنوه؛ و ذلك أنه غير ممتنع أن يتمنى المتمنّى ما يعلم أنّه لا يحصل و لا يقع؛ و لهذا يتعلّق التمنى للشيء/بألاّ يكون ما قد كان. و لقوّة اختصاص التمنى بما يعلم أنه لا يكون غلط قوم فجعلوا إرادة ما علم المريد أنه لا يكون تمنيا؛ فهذا الّذي ذكرناه وجه فى تأويل الآية.
و فى الناس من يجعل بعض الكلام تمنّيا و بعضه إخبارا، و علّق تكذيبهم بالخبر دون لَيْتَنََا ؛ فكان تقدير الآية: يا ليتنا نرد-و هذا هو التمنى-ثم قال من بعد: فإنّا لاََ نُكَذِّبَ بِآيََاتِ رَبِّنََا وَ نَكُونَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ ، فأخبروا بما علم اللّه تعالى أنهم فيه كاذبون؛ و إن لم يعلموا من أنفسهم مثل ذلك؛ فلهذا كذّبهم اللّه تعالى. و كل هذا واضح.
***
أخبرنا أبو عبيد اللّه المرزبانىّ قال حدثنى أحمد بن عبد اللّه، و عبد اللّه بن يحيى العسكريّان [٣] قالا: حدثنا الحسن بن عليل العنزىّ قال حدثنا أبو بكر محمد بن عبد اللّه العبدىّ قال حدثنا
[٣] حاشية الأصل (من نسخة) : «فكذب أملهم» بالتشديد.
[١] البيت فى اللسان (قرن) ، و سيبويه ١: ٢٥٩، ٢: ٦٥؛ و شاب قرناها: لقب لامرأة.
[٢] حاشية الأصل (من نسخة) : «العسكرى» .