الأمالي - ط دار الفكر العربي - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١١٠ - تأويل آية
و لا يريد أنّه فعل بنفسه فعله. و المعنى فى ذلك ظاهر؛ لأن ما وقع بتوفيق اللّه تعالى و دلالته و هدايته و معونته و ألطافه قد يصح إضافته إليه فعلى هذا صحت إضافة النجاة إليه تعالى.
و يمكن أيضا أن يكون مضيفا لها من حيث ثبّط عنهم الأعداء، و شغلهم عن طلبهم؛ و كل هذا يرجع إلى المعونة؛ فتارة تكون بأمر يرجع إليهم، و تارة بأمر يرجع إلى أعدائهم.
فإن قيل: كيف يصحّ أن يقول: وَ إِذْ نَجَّيْنََاكُمْ فيخاطب بذلك من لم يدرك فرعون و لا نجا من شره؟
قلنا: ذلك معروف مشهور فى كلام العرب؛ و له نظائر؛ لأن العربىّ قد يقول مفتخرا على غيره: قتلناكم يوم عكاظ [١] و هزمناكم؛ و إنما يريد أنّ قومى فعلوا ذلك بقومك.
قال الأخطل يهجو جرير بن عطية:
/و لقد سما لكم الهذيل فنالكم # بإراب حيث يقسّم الأنفالا [٢]
فى فيلق يدعو الأراقم لم تكن # فرسانه عزلا و لا أكفالا [٣]
و لم يلحق جرير الهذيل؛ و لا أدرك اليوم الّذي ذكره؛ غير أنّه لما كان يوم من أيام قوم الأخطل على قوم جرير، أضاف الخطاب إليه و إلى قومه؛ فكذلك خطاب اللّه تعالى بالآية إنما توجّه إلى أبناء من نجّى من آل فرعون و أحلافهم. و المعنى: و إذ نجينا آباءكم و أسلافكم؛ و النعمة على السلف نعمة على الخلف.
***
[١] فى حاشيتى الأصل، ف: «عكاظ: سوق للعرب معروفة كانوا يجتمعون فيها فيتفاخرون» .
[٢] ديوانه ٤٨ و فى حاشيتى الأصل، ف: «الهذيل بن هبيرة التغلبى، و كان غزا بنى رباح يوم إراب؛ و إراب اسم ماء» .
[٣] الأراقم: قبائل معروفة، و العزل: الضعفاء و الأكفال: جمع كفل، و هو الّذي لا يثبت على ظهور الخيل؛ و مثله قول الشاعر:
ما كنت تلقى فى الحروب فوارسى # ميلا إذا ركبوا و لا أكفالا
.