المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه - الشهابي العاملي، محمود قانصو - الصفحة ٦٤ - ١- حقيقة الوضع
مع أن الفارسي مثلا لا يفهم الألفاظ العربية و لا غيرها من دون تعلم
و أما اندفاع الايراد الثاني فبدعوى ان الانسان ينسى الملازمة الأولى بين اللفظ و المعنى و يعتقد بوجود ملازمة اخرى بين اللفظ و معنى آخر.
و على هذا القياس يندفع الإيرادان الباقيان.
هذا و لكني لا اظن يمر عليك هذا التخيل. فإنه في غاية الفساد، إذ لا معنى لأن يكون اللفظ في الخارج علة للمعنى في الخارج ضرورة ان المعنى لا وجود خارجي له و إنما وجود المعنى هو ذهني محض.
فتحصل من كل ما ذكرناه ان المحتمل في علية اللفظ للمعنى ثلاث احتمالات اثنان فاسدان لم يقصدهما احد و الثالث هو المنقول و إن كان باطلا ايضا.
الأول: اللفظ في الخارج علة للمعنى في الخارج كعلية النار للاحراق و هذا فاسد.
الثاني: اللفظ في الخارج علة للمعنى في الذهن. و هذا فاسد ايضا.
الثالث: اللفظ في الذهن علة للمعنى في الذهن و هو المنقول عن عباد الصيمري و قد عرفت ورود الايرادات الخمسة عليه.
ثم ان هذا المذهب لما كان واضح الفساد فقد تأوله بعضهم بان المراد به ان بين الالفاظ و المعاني مناسبة فلفظ القاف مثلا يقتضي الشدة و الفاء تقتضي الخفة و هكذا سائر الحروف. فالمراد أنه ينبغي للواضع عند وضعه للألفاظ على معانيها أن يراع هذه المناسبات.
و هذا التأويل قد يستدل عليه بأنه لو لم توجد هذه المناسبات لكان وضع بعض الكلمات لبعض المعاني كوضع (لفظ رجل لمعنى رجل و هكذا سائر الأوضاع) تحكم و ترجيح بلا مرجح إذ يقال لما ذا لم يضع لفظ (أكل) أو غيره لمعنى رجل فاختيار لفظ رجل دون غيره تحكم، و ترجيح بلا مرجح
أقول: هذا التأويل مع الاستدلال عليه فيه ما لا يخفى على المتأمل.
المذهب الثاني: هو المشهور و مختار المصنف و حاصله أن الدلالة- (دلالة اللفظ على المعنى)- معلولة للوضع و هو أمر اعتباري و هو بالجملة