المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه - الشهابي العاملي، محمود قانصو - الصفحة ١٠٧ - بقي شيء
مثلا: مفهوم (الابتداء) معنى واحد وضع له لفظان أحدهما لفظ (الابتداء) و الثاني كلمة (من) لكن الأول وضع له لأجل أن يستعمل فيه
لاحظت معنى (من) حالة في البصرة و السير فيكون هذا المعنى مباينا لأي معنى آخر يوجد في الذهن حتى معنى (من) في قولك (سر من الشام) التي تكون ملحوظة على أنها حالة في الشام و السير فإن معنى (من) في المثال الأول تكون ملحوظة بلحاظ خاص. و معنى (من) في المثال الثاني تكون ملحوظة بلحاظ ثان. و لهذا نقول أن معنى (من) الأولى غير معنى (من) الثانية و مرادنا بالغيرية ليس سوى أن الأولى لها لحاظ خاص و الثانية لها لحاظ آخر.
و اعتبر بهذا المثال و هو لو أنك ضربت زيد بيدك اليمنى اليوم الأول ثم ضربته بيدك اليمنى أيضا اليوم الثاني فإننا نقول حينئذ أن الضرب الأول غير الضرب الثاني و إن كان الضربان من جنس واحد و بيد واحدة و بمتعلق واحد هو زيد.
و مثل ذلك نقول أن لحاظ (من) أولا في المثال الأول غير لحاظ (من) ثانيا في المثال الثاني. و لهذا كان معنى (من) الأول مباينا لجميع معاني (من) و ذلك لأنه تعلق به لحاظ خاص لن يتعلق بغيره، كما أن الضرب الذي تعلق بزيد يوم الخميس لن يتعلق به و لا بغيره مرة ثانية، و أي ضرب يحدث ثانية فهو ضرب آخر غير الضرب الأول جزما.
و أظن بهذا أني قد أوضحت ما المراد من الاحتمال الثاني الذي ذكره صاحب الكفاية و حاصله أن معنى الحرف جزئي في الذهن لأنه تعلق به لحاظ لن يتعلق بغيره.
ثم إن صاحب الكفاية (ره) بعد أن ذكر هذين الاحتمالين استشكل عليهما معا.
أما الأول: فاستشكل عليه بأنه غير صحيح أن الحرف جزئي في الخارج بل هو كلي غالبا يصدق على كثير كما في نحو (سر من البصر). فمن الواضح أنه لو كانت (من) جزئيا خارجيا كان المأمور به ابتداء معينا، مع إنه باطل جزما. ضرورة أن امتثال هذا الأمر يكون بأي ابتداء من البصرة. و كذا أجلس