المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه - الشهابي العاملي، محمود قانصو - الصفحة ٧٨ - ٢- من الواضع؟
قيل: إن الواضع لا بد أن يكون شخصا واحدا يتبعه جماعة من البشر في التفاهم بتلك اللغة. و قيل- و هو الأقرب إلى الصواب- إن الطبيعة البشرية حسب القوة المودعة من اللّه تعالى فيها تقتضي إفادة مقاصد الإنسان بالألفاظ، فيخترع من عند نفسه لفظا مخصوصا عند إرادة معنى مخصوص- كما هو المشاهد من الصبيان عند أول أمرهم- فيتفاهم مع الآخرين الذين يتصلون به، و الآخرون كذلك يخترعون من أنفسهم ألفاظا لمقاصدهم و تتألف على مرور الزمن من مجموع ذلك طائفة صغيرة من الألفاظ، حتى تكون لغة خاصة، لها قواعدها يتفاهم
و لكن الإنصاف أن تفسير الآية بهذا المعنى بعيد جدا عن سياقها لأنها واردة في مقام الاحتجاج على الملائكة بوجود حكمة للخليقة و بأنهم لا يعلمون، و من الواضح أن مثل هذا الاحتجاج لا يجوز أن يكون بأخبار الملائكة أن آدم علم اللغة العربية و هم لم يعلموها إذ أي شخص يمكنه أن يضع مفردات ألفاظ على معاني و يجهل بها جميع البشر ثم يحتج عليهم بأنهم جهله و لا يخفى عليك سخافة ذلك بل الآية أعظم من هذا المعنى.
على أنه لو سلمنا دلالة الآية الكريمة فإنما تدل على أن اللّه تعالى علم آدم لغة من اللغات. فيبقى الكلام في بقية اللغات مع أننا لا نعلم أن اللغة التي علمه إياها هي اللغة العربية دون غيرها من اللغات فالإنصاف أن التمسك بهذه الآية كتمسك الفريق برأسه أو لحيته.
قوله (ره) (قيل أن الواضع لا بد أن يكون شخصا واحدا ...).
أقول هنا رأيان الأول: أن الواضع هو شخص واحد.
الثاني: أن الواضع يجب عقلا أن يكون شخص واحد.
أما الأول فيمكن بعد البحث أن نتوصل إليه بأن يثبت لنا و لو من دليل تاريخي أو قرآني أو غيره أن الواضع هو رجل واحد كيعرب بن قحطان مثلا.
و أما الثاني فيستحيل إثباته لوضوح أنه كما يمكن أن يكون الواضع هو