المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه - الشهابي العاملي، محمود قانصو - الصفحة ٦٨ - ١- حقيقة الوضع
و لكن مجرد وجود العلم بالاعتبار لا يصلح أن يكون علة لحضور المعنى إلى الذهن فلو علمنا أن رجلا في الصين قد وضع كلمة (ديز) لمعنى (قمر) لا يلزم من هذا العلم أن نفهم معنى قمر من كل شخص نطق بكلمة ديز كما هو واضح.
و الحاصل أن عليّة العلم بالاعتبار لحضور المعنى في الذهن إما غير صحيحه و إما غير واضحة و تحتاج إلى توضيح فالتفسير المذكور ناقض.
التفسير الثاني: و هو المسمى بالتعهد و ذهب إليه بعض أعاظم العصر و حاصله أن من يعيش بين أبناء اللغة و يرى استعمالاتهم يتعهد هو أيضا في نفسه أنه كلما أراد هذا المعنى عبر عنه بذلك اللفظ و يكون تعهده على طبق تعهدات أبناء لغته لوضوح أن غرضه من هذا التعهد هو التفهيم و التفهم فلا ينبغي له أن يشذ عنهم.
و هذا التفسير ممكن مردود وجدانا فهنا دعويان.
الأولى: الإمكان العقلي و نحكم بها لأننا نرى أن التعهد يصلح أن يكون علة لانتقال الذهن إلى المعنى فلو علمت أن زيد لا يرفع يده إلا إذا أراد الماء فبمجرد أن يرفع يده تقول زيد رفع يده و كلما رفع يده فهو يريد الماء و هذا قياس صحيح ينتج في ذهنك (زيد يريد الماء).
هذا من جهة و من جهة أخرى فجميع الاعتراضات الواردة مدفوعة.
منها: أن المتعهد إنما يعلم أنه هو تعهد باستعمال اللفظ عند إرادة المعنى. و لا يعلم أن غيره متعهد بذلك فلو سمع غيره يتكلم بلفظ (أسد) لا يمكنه أن يركب القياس المذكور فيقول (هذا المتكلم قال أسد) و (كلما قال أسد فهو يريد معنى أسد) فينتج أن هذا المتكلم يريد معنى أسد.
و إنما لم يمكنه تركيب هذا القياس لعدم العلم بالمقدمة الثانية لأنه لا يعلم أن المتكلم قد تعهد مثل هذا التعهد. فكل إنسان يعلم أنه هو بنفسه قد تعهد بهذا التعهد و لا يعلم أن غيره متعهد به أيضا.
و نضيف إلى الإشكال أن مجرد العلم بأن المتكلم متعهد بأنه لا يأتي باللفظ المذكور إلا عند ارادة المعنى لا يستلزم العلم بالقضية الثانية أيضا أي