المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه - الشهابي العاملي، محمود قانصو - الصفحة ٧٧ - ٢- من الواضع؟
فمثلا إذا عرف التفاح وضع لفظا يدل عليه، و بعد مدة من الزمن يعرف الإجاص فيضع لفظا يدل عليه، و هكذا كلما عرف معنى جوهريا أو عرضيا وضع له لفظا يدل عليه.
و قد يستدل لهذا القول بدليل مركب من أمرين.
الأول: أن الواضع ليس اللّه تعالى إذ لو كان هو الواضع لأخبرنا بذلك في القرآن كما أخبرنا عن تعليمنا دفن الميت و صنعة التروس و السحر و غير ذلك. و الوضع أهم من كل ذلك لأن عمدة المدنية و التفهم و التفهيم على اللغة.
الثاني: أن الواضع بعد أن ثبت أنه البشر فيجب أن يكون من جماعة متفرقة على نحو التدريج و ليس على نحو الدفعة الواحدة و ذلك لأمرين.
الأول: أنه لو كان ذلك لنقل إلينا بالتاريخ و بما أنه لم ينقل فنعلم عدم وقوعه.
الثاني: أن الوضع الدفعي ليس بقدرة الإنسان.
أولا: لكثرة الألفاظ جدا.
ثانيا: أن المعلوم بالوجدان أن المعاني تحصل عند الإنسان تدريجيا فلم يكن قديما يعلم جميع المعاني من أنواع الفواكه و الحيوانات و النجوم و الألعاب المسلية و العادات و المعاني الحديثة بل يدرك هذه المعاني بالتدريج عصرا بعد عصر. فبما أنه لم يكن يعلم جميع هذه المعاني فيستحيل أن يكون وضع ألفاظا للمعاني التي لا يعلمها. فالإنسان الأول وضع ألفاظا للمعاني التي يعلمها و يحتاجها ثم جاء من بعده فعلم بعض المعاني التي لم يعلمها من سبقه فوضع لها ألفاظا و هكذا إلى عصرنا الحاضر، كلما علم الإنسان معاني جديدة وضع لها ألفاظا.
أقول و لكن هذا الدليل المركب متوقف على ثبوت الأمر الأول و هو مشكل إذ يمكن أن اللّه تعالى لم يخبرنا بذلك لأن الناس لا تدرك أن اللغة تحتاج إلى واضع. مع أنه قد يقال أن آية (وَ عَلَّمَ آدَمَ ... الآية) هي أخبار بوضع اللغات.