المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه - الشهابي العاملي، محمود قانصو - الصفحة ٣٩٧ - تمهيد
و هناك واجبات أخرى تسمى (التوصليات) و هي التي تسقط أوامرها بمجرد وجودها و إن لم يقصد بها القربة، كانقاذ الغريق و أداء الدين و دفن الميت و تطهير الثوب و البدن للصلاة، و نحو ذلك.
و للتعبدي و التوصلي تعريف آخر كان مشهورا عند القدماء. و هو أن التوصلي: (ما كان الداعي للأمر به معلوما) و في قباله التعبدي و هو:
(ما لم يعلم الغرض منه). و إنما سمي تعبديا لأن الغرض الداعي للمأمور ليس إلا التعبد بأمر المولى فقط. و لكن التعريف غير صحيح إلا إذا أريد به اصطلاح ثان للتعبدي و التوصلي، فيراد بالتعبد التسليم للّه تعالى فيما أمر به و إن كان المأمور به توصليا بالمعنى الأول، كما
و الفرق بينهما يقع في ناحيتين.
الناحية الأولى: ناحية ملاك الحكم و مصلحته فالتعبدي ما كان مصلحته بنحو لا تتحقق إلا إذا أتي به على نحو التقرب به الى الله سبحانه.
بينما التوصلي ما كان مصلحته بنحو تحقق حتى لو أتي به بدون التقرب الى الله بل تتحقق مصلحته حتى لو اتى به رياء و تقربا الى السلطان.
الناحية الثانية: ناحية المأمور به فالتعبدي هو ما كان من شرائطه قصد القربة بخلاف التوصلي فليس من شرائطه ذلك.
هذا و قد ذكر بعضهم فرقا آخر و هو أن التعبدي يكون بذاته و ذاتياته تعظيما و عبادة للمولى بخلاف التوصلي.
و لكن هذا مما لم ندرك له وجها فإننا نرى بالوجدان خلافه إذ لو أمر المولى عبيده بالجلوس تحت الشمس متقربين إليه كان ذلك عبادة كما في الحج فكل فعل يمكن ان يكون توصليا و يمكن ان يكون تعبديا.
إذا عرفت ذلك فنقول إن الفرق الذي ذكروه في الناحية الأولى في غاية الجودة.
و أما الفرق الذي ذكروه في الناحية الثانية ففاسد لما سيتضح عندك أن جميع الشرائط إنما هي شرائط الممتثل او شرائط الامتثال و ليست شرائط المأمور به.