المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه - الشهابي العاملي، محمود قانصو - الصفحة ٦٩ - ١- حقيقة الوضع
(كلما نطق بهذا اللفظ فهو يريد ذلك المعنى) و وجه عدم بالقضية الثانية هو أننا نحتمل أن المتكلم لا يفي بتعهداته فإن كثيرا من الناس يتعهدون و يعدون ثم لا يفون بوعودهم و تعهداتهم.
و لكن هذا الاعتراض مدفوع لأن السامع يتمسك بأصل عقلائي هو أن المتكلم متعهد و بأصل عقلائي آخر و هو أن المتكلم واف بتعهداته اللغوية و ينتج من هذين الأصلين العلم بالقضية الثانية أي (كلما نطق بهذا اللفظ فهو يريد ذلك المعنى). فتحصل أن هذا الإيراد مدفوع و كذا غيره من الإيرادات فلا حاجة إلى سردها.
الدعوى الثانية: و هي أن هذا التفسير مردود وجدانا. و هذه الدعوى قد ادعاها غير واحد من الاعلام. و دليلها الوجدان. و هذا العرف بالباب فاطرقه تسمع الجواب. فإن المقطوع به أن الدلالات اللفظية أسهل من ذلك بكثير فلا تحتاج إلى تركيب قياس منطقي حتى يستنتج المعنى. و قد يحكى أن بعض الحيوانات تفهم بعض الألفاظ فهل كان هذا الفهم عند الحيوانات ناشئ عن تعهدهم أو علمهم بأن الإنسان متعهد و لا يخالف تعهده ثم يجرون قياس منطقي. و هذه الأطفال أبناء سنة و نصف السنة لم يخطر في بالهم معنى التعهد و لا مصداقه تراهم يفهمون بعض الألفاظ فهل كان هذا لعلمهم بأن المتكلم متعهد و لا يخالف تعهده ثم يجرون قياس منطقي. كلا و ألف كلا.
المذهب الثالث: و هو الذي ذكره السيد الشهيد (ره) و حاصله أن الذهن يحكمه قانون تكويني، و هذا القانون هو أن كل شيئين إذا اقترن تصور أحدهما مع تصور الآخر في ذهن الإنسان مرارا عديدة لزم أن يحصل بين هذين الشيئين علاقة في الذهن، حتى أنه بمجرد حضور أحدهما في الذهن يحضر الآخر. و مثال ذلك أن ترى زيدا و عمرا مع بعضهما لا يفترقان فيحصل في الذهن علاقة بين صورة زيد و صورة عمر حتى إذا حضرت صورة أحدهما حضرت صورة الآخر.