المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه - الشهابي العاملي، محمود قانصو - الصفحة ٢٤٥ - ١٤- الحقيقة الشرعية
معتدا به- لا سيما إذا كان المعنى جديدا- يصبح حقيقة فيه بكثرة الاستعمال، فكيف إذا كان ذلك عند المسلمين قاطبة في سنين متمادية.
فلا بد- إذن- من حمل تلك الألفاظ على المعاني المستحدثة فيما إذا تجردت عن القرائن في روايات الأئمة (عليهم السلام).
نعم كونها حقيقة فيها في خصوص زمان النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلم) غير معلوم و إن كان غير بعيد، بل من المظنون ذلك، و لكن الظن في هذا الباب لا يغني عن الحق شيئا. غير أنه لا أثر لهذا الجهل، نظرا إلى أن السنة النبوية غير مبتلى بها إلا ما نقل لنا من طريق آل البيت (عليهم السلام) على لسانهم، و قد عرفت الحال في كلماتهم أنه لا بد من حملها على المعاني المستحدثة. و أما القرآن المجيد فأغلب ما ورد فيه من هذه الألفاظ أو كله محفوف بالقرائن المعينة لإرادة المعنى الشرعي، فلا فائدة مهمة في هذا النزاع بالنسبة إليه.
على أن الألفاظ الشرعية ليست على نسق واحد، فإن بعضها كثير
(اعتبر هذا القانون) و اما هذا الرجل الفقير الحقير فلا يحسن منه ان يقول (إني اعتبر فلانا وزيرا) بل لو قال ذلك كان مضحكة للناس.
و الحاصل ان الاعتبارات كلها لا يحسن و لا يليق ان تصدر إلا من اصحابها كالزواج فإنه امر اعتباري لكن لا يحسن من أي احد عند العرف و هكذا في كل الاعتباريات.
و من هذا القبيل اعتبار الألفاظ على معانيها فإنها اعتبار لا يستسيغه العرف من احد و لهذا فنحن لا نتخيل ان يقوم النبي (ص) و يدعو الناس الى الاجتماع في المسجد ثم اذا اجتمعوا يقول (اعلموا اني وضعت لفظ صيام على معنى كذا فليعلم الشاهد الغائب) لا يمكن ان يصدر مثل هذا عن النبي (ص) بلا حاجة الى ان نتمسك بأن عدم النقل دليل على عدم الوجود.
بل لو نقل الينا مثل هذا الخبر كذبنا ناقله و طرحنا الخبر و رمينا به عرض الحائط لأنه مخالف للقرآن الكريم (و إنك لعلى خلق عظيم) و (لو اردنا ان نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا ...).