المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه - الشهابي العاملي، محمود قانصو - الصفحة ٧٠ - ١- حقيقة الوضع
و هكذا كل أسباب التذكر فإنك قد ترى أو يخطر في ذهنك بعض الأمور فتذكرك ببعض الحوادث الماضية، و ليس ذلك إلا لاقتران بين هذا الأمر الذي رأيته أو خطر في ذهنك أولا، و بين تلك الحوادث الماضية و إن كان هذا الاقتران هنا أضعف من الاقتران بين الألفاظ و المعاني و ذلك لكثرة التكرار سنين متطاولة.
و كلما اشتد الاقتران في الذهن بين اللفظ و المعنى كلما تضاءل الفاصل الزمني بين حضور اللفظ و حضور المعنى في الذهن و كلما ضعف الاقتران في الذهن بين اللفظ و المعنى كلما اتسع الفاصل الزمني بين حضور اللفظ و حضور المعنى في الذهن و هكذا سائر الصور الذهنية المتقارنة.
و هذا المذهب في غاية الجودة و أي ايراد يرد عليه فليس سوى مغالطة لا تخفى على الفطن. و لا حاجة إلى إطالة الكلام. و نحن نكتفي بذكر إشكالين و جوابهما.
الأول: أنه قد يقال من المعلوم أن صورة المعنى في الذهن لم تقترن إلا مع الألفاظ التي سمعها الإنسان تدل على المعنى. فمعنى (أسد) مثلا اقترنت في الذهن مع لفظ (أسد) الذي سمعناه في مرار عديدة يستعمل في معنى أسد.
فيقع هنا سؤال و حاصله أن المعنى إنما اقترن في الذهن مع أشخاص الألفاظ التي قد انقرضت، و النتيجة الموجودة في الذهن لا تتوافق مع هذه العلة، ضرورة أن الموجود في الذهن هو اقترن المعنى مع كلي اللفظ.
فكلي لفظ أسد مقترن في الذهن مع معنى أسد حتى أن أي مصداق من مصاديق كلي لفظ أسد نسمعه يوجب حضور معنى أسد.
و الحاصل أن النتيجة لا يجوز أن تزيد على المقدمات. و من الواضح أن النتيجة الموجودة في الذهن هي اقتران كلي اللفظ مع المعنى ككلي لفظ أسد مثلا مع معناه، لوضوح أن أي مصداق من لفظ أسد نسمعه يوجب حضور المعنى.