المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه - الشهابي العاملي، محمود قانصو - الصفحة ٧٢ - ١- حقيقة الوضع
هذا حال الكلاب التي لها خصوصيات و تشخصات واضحة ظاهرة للعيان. فما بالك بالألفاظ التي كانت تشخيصات مصاديقها في غاية الخفاء حتى أن الالتفات إلى أن هذا الجزئي من لفظ زيد يختلف عن ذلك الجزئي من لفظ زيد يحتاج إلى مزيد من العناية.
و مما ذكرناه في الألفاظ يعرف الكلام في المعاني.
الإشكال الثاني: أنك قلت أن حضور المعنى في الذهن كان بسبب الاقتران بين اللفظ و المعنى. و قد مثلت لذلك بزيد و سيارته و نحو ذلك من الأمثلة مع أن المشاهد بالوجدان هو الفرق بين حضور المعنى في الذهن بعد سماع اللفظ و بين حضور صورة زيد في الذهن بعد رؤية سيارته.
وجه الفرق هو أن صورة السيارة تكون موجودة في الذهن و ملتفت إليها.
بينما صورة اللفظ لا يلتفت إليها السامع، بل يخطر المعنى في ذهنه مباشرة.
الجواب: وجود أمور أهمها: أن اللفظ ليس له في نظر الإنسان إلا وجوده الدلالي فهو لا يأتي باللفظ و لا يسمعه إلا بغرض التوصل إلى المعنى و لهذا كان وجود اللفظ بما هو هو من الوجودات التي لا يعبأ بها العقلاء و لا يلتفتوا إليها أصلا لعدم تعلق غرض لهم بوجودات الألفاظ بما هي هي. لذا كانوا كلما سمعوا اللفظ التفتوا إلى معناه و لم يلتفتوا إلى نفس اللفظ و إن كان موجودا في اذهانهم.
هذا مضافا إلى ما عرفت من أن صورة اللفظ في الذهن من الأمور التي لها نوع خفاء يحتاج الالتفات إليها إلى نوع عناية بخلاف الوجودات المرئية بالعين.
و لأجل ما ذكرناه نجد أن اللفظ لو كان له خصوصية يعتني بها الإنسان كان الالتفات إلى اللفظ ظاهرا تماما و ذلك كأصوات الموسيقى فإن الإنسان يلتفت إليها لتعلق غرضه بها بما هي هي لا بما هي دوال على معاني.
خاتمة: يحتمل قويا أن مراد عباد الصيمري في أن الألفاظ هي علة الدلالة. هو هذا المعنى الذي ذكرناه. لوضوح أن المعنى المنقول عنه في غاية التفاهة و لم يقبله أحد و لا ينبغي أن ينسب إلى عاقل فضلا عن فاضل.