المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه - الشهابي العاملي، محمود قانصو - الصفحة ٧١ - ١- حقيقة الوضع
و حينئذ فنقول: أن المذهب الأخير يدعي أن سبب هذا الاقتران الموجود في الذهن هو ما تكرر على ذهن الإنسان من رؤية اللفظ و بجانبه المعنى مع أن الذي رآه الإنسان إنما هو بعض مصاديق اللفظ مع المعنى.
فاللازم أن تكون النتيجة في الذهن هي اقتران تلك المصاديق مع المعنى. لا اقتران كلي اللفظ مع المعنى.
فمثلا لو أنّا رأينا زيدا (الذي هو مصداق من الإنسان) مع سيارته و تكرر رؤيتنا لهذا المصداق. (زيد). مع تلك السيارة فاللازم أن تكون النتيجة هي اقتران صورة المصداق. زيد. مع صورة تلك السيارة في الذهن.
و لا يمكن أن تكون النتيجة هي اقتران كلي الإنسان مع تلك السيارة، و لا اقتران صورة زيد مع كلي السيارة، و لا اقتران كلي الانسان مع كلي السيارة في الذهن.
و هكذا في الألفاظ يلزم أن يكون الاقتران في الذهن بين المعنى و المصاديق من اللفظ التي انتهت و لا يمكن أن ترجع.
الجواب: أن الإنسان لما رأى أن خصوصيات مصاديق الألفاظ لا أثر لها و لا دخالة لها لم يلتفت إليها بل صار يرى أن المعنى مرتبط مع الكلي و أنا أعطي على ذلك مثالا.
لو أن طفلا رأى كلبا و أرعبه هذا الكلب فيصير في ذهنه أولا اقتران بين صورة هذا الكلب و صورة الرعب التي حصلت له. فلو أنه رأى كلبا آخر و أرعبه أيضا و رأى ثالثا و أرعبه أيضا و هكذا تتكرر الكلاب التي يراها و كل واحد منها يرعبه فبعد هذا التكرار تسقط خصوصيات الكلاب التي رآها من ذهنه و يصير في ذهنه علاقة بين كلي الكلب و الرعب حتى أنه بمجرد أن يخطر في ذهنه صورة مصداق كلب يخطر في ذهنه صورة الرعب مع أن صورة هذا المصداق لم تكن خطرت في ذهنه سابقا أصلا.
و إنما أسقط من ذهنه خصوصيات الكلاب التي رآها لأنه أدرك بفعل التكرار أن الرعب ليس له ارتباط بتلك الخصوصيات بل بماهيّة الكلبية و الكلي العام.