المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه - الشهابي العاملي، محمود قانصو - الصفحة ٣٦٧ - ٣- دلالة لفظ الأمر على الوجوب
و لكن من ناحية علمية صرفة يحسن أن نفهم منشأ هذا الظهور، فقد قيل: إن معنى الوجوب مأخوذ قيدا في الموضوع له لفظ الأمر. و قيل:
مأخوذ قيدا في المستعمل فيه إن لم يكن مأخوذا في الموضوع له.
و الحق أنه ليس قيدا في الموضوع له و لا في المستعمل فيه. بل منشأ هذا الظهور من جهة حكم العقل بوجوب طاعة الآمر، فإن العقل يستقل بلزوم الانبعاث عن بعث المولى و الانزجار عن زجره، قضاء لحق المولوية و العبودية، فبمجرد بعث المولى يجد العقل أنه لا بد للعبد من الطاعة و الانبعاث ما لم يرخص في تركه و يأذن في مخالفته.
فليس المدلول للفظ الأمر إلا الطلب من العالي، و لكن العقل هو
قوله (ره): (بل منشأ هذا الظهور من جهة حكم العقل ...).
أقول توضيح هذا المذهب هو أن مادة الأمر إنما تدل على الطلب فقط فإذا قال المتكلم (آمرك بكذا) دلت هذه العبارة على أن المتكلم يطلب من السامع هذا الفعل. غايته أن الآمر تارة يكون مولى. كاللّه تعالى أو الأب أو السيد أو شخص آخر له سلطان معنوي على المخاطب. و تارة أخرى لا يكون الآمر مولى بل يكون صاحب قوة و قهر و جبروت.
فعلى الأول- أي كون الآمر مولى- يحكم العقل بوجوب الطاعة و ذلك لوجود قاعدة عقلية يعتقد بها كل عاقل و هي أن طلب المولى يجب امتثاله فيركب العقل بعد سماعة للطلب قياسا مؤلفا من مقدمتين صغرى و هي (أن هذا الفعل طلبه المولى) و هذه الصغرى مستفادة من قول المولى (آمرك بهذا الفعل) و كبرى و هي (أن كل ما طلبه المولى يجب امتثاله) فينتج من هذا القياس نتيجة و هي (أن هذا الفعل يجب إتيانه) فانقدح أن استظهار وجوب الفعل لم يؤخذ من مادة الأمر وحدها و إنما أخذ من القياس المركب من ظهور مادة الأمر بالطلب و من حكم العقل بوجوب فعل ما طلبه المولى.
و على الثاني- أي كون الآمر صاحب قهر و جبروت- فإن العقل أيضا يحكم بالوجوب بمناط وجوب التخلص من الضرر فإذا قال الظالم (آمرك بكذا) دل على أنه يطلب الفعل و يضم العقل هذه المقدمة إلى قضية عقلية