المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه - الشهابي العاملي، محمود قانصو - الصفحة ٣٨٣ - ٢- ظهور الصيغة في الوجوب
لأن الوجوب كالندب أمر خارج عن حقيقة مدلولها و لا من كيفياته و أحواله. و تمتاز الصيغة عن مادة كلمة الأمر أن الصيغة لا تدل على النسبة الطلبية كما تقدم، فهي بطريق أولى لا تصلح للدلالة على الوجوب الذي هو مفهوم اسمي، و كذا الندب.
و الى هنا يتضح بطلان جميع الأقوال التي ذكرت لتوضيح دلالة الصيغة على الوجوب و من هنا لجأ المتأخرون و منهم المصنف (ره) إلى الجواب السابع و هو أن الصيغة و المادة كلاهما لا يدلان سوى على الطلب فقط و إنما يستفاد الوجوب و الاستحباب من حكم العقل بوجوب تنفيذ حكم المولى.
عند عدم إذنه بالترك و استحباب تنفيذ طلب المولى عند إذنه بالترك. على نحو ما ذكرناه في بيان دلالة مادة الأمر على الوجوب.
و نزيد هنا ان نقول أن القاعدة العقلية هي أن كل ما طلبه المولى و لم يرخص بتركه يجب امتثاله فموضوع القاعدة مركب من الطلب و عدم الترخيص.
و عند العقل قاعدة أخرى و هي أن كل ما طلبه المولى و رخص بتركه يحسن امتثاله فموضوع هذه القاعدة مركب من الطلب و الترخيص بالترك.
و من هنا فكل ما صدر طلب من المولى نظرنا فإذا وجدنا معه ترخيص بالترك تحقق موضوع القاعدة الثانية فيحكم العقل بالاستحباب و إذا لم نجد معه ترخيص بالترك تحقق موضوع القاعدة الأولى فيحكم العقل بالوجوب.
فظهر أن الوجوب و الاستحباب حكمان عقليان متأخران عن وضع الصيغة بعدة مراتب. فبعد مرتبة الوضع تأتي مرتبة الاستعمال و بعدها مرتبة سماع السامع و بعدها مرتبة تنظيم القياس ثم بعدها مرتبة الاستنتاج و الحكم بالوجوب فبين الوضع و الوجوب اربع مراتب زمنية.
و من هنا يصبح من الواضح انه لا مجال لدعوى أن الصيغة موضوعة للدلالة على الوجوب او على الاستحباب او على الأعم من الوجوب و الاستحباب.