المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه - الشهابي العاملي، محمود قانصو - الصفحة ٥٠٣ - تنبيهات
«اشتر قلما» الجامع بين أنواع الأقلام من قلم الحبر و قلم الرصاص و غيرهما، فإن التخيير بين هذه الأنواع يكون عقليا كما أن التخيير بين أفراد كل نوع يكون عقليا أيضا.
نعم يصير الفرق بينهما حينئذ أن في التخيير العقلي نعرف الكلي و قد كلفنا المولى به و نحن نعرف مصاديقه فنحن نخير انفسنا المصداق الذي نريد كما لو كلفنا بالصلاة فهذا كلي نعرفه و نعرف مصاديقه فنخير أنفسنا أي مصداق من الصلاة نريد.
بينما في التخيير الشرعي لا نعرف الكلي و لا نعرف مصاديقه و لذا يقوم الشارع بإرشادنا إلى اصناف المصاديق و يخيرنا بينها فمثلا في مثال الصوم و العتق و الاطعام كان الواجب في علم الله تعالى شأنه هو كلي جامع بين هذه الثلاثة و لكننا لما كنا لا نعرف هذا الكلي و لا نعرف مصاديقه فإن الله تعالى شأنه لم يكلفنا بالكلي بل أرشدنا إلى أصناف مصاديقه و خيرنا بينها.
و الحاصل أن التخيير الشرعي على هذا المذهب يفترق عن التخيير العقلي في أن الشارع هو الذي يرشد إلى مصاديقه في الأول، بينما نحن نعرف الكلي و نعرف مصاديقه في الثاني.
الثالث: أنا قد ذكرنا بطلان التمسك بقاعدة (الواحد لا يصدر إلا من واحد) في المقام و لكن هذا لا يعني إننا نجزم بعدم وجود كلي في الواقع يكون هو الواجب و كان التكليف متعلقا به لكنه لما خفي علينا أرشدنا الشارع الى المصاديق ففي مثال (صم و اعتق و اطعم) و إن قلنا أن قاعدة (الواحد لا يصدر إلا من واحد) ليست صحيحه في المقام.
إلا ان ذلك لا يعني سوى عدم وجود الدليل على ان الواجب هو الكلي و عدم وجود الدليل على ذلك لا يستلزم وجود الدليل على عدمه أي على عدم وجود الكلي في الواقع.
و من هنا نقول أن كون الواجب في علم الله تعالى هو الكلي المنطبق على الصيام و العتق و الإطعام ليس ممنوعا فكما لا دليل عليه فكذلك لا دليل على عدمه. نعم المظنون عدمه لكن الظن لا ينفع.