القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٤٤٠ - فصل في تولّد الجنين
إلى فوهات العروق التي في الرحم. وهذه العروق يعرض لها شيئان: أحدهما أنها تكون عند فوهات التلاقي أدق، فكأنها أطراف الفروع، وأيضاً فانها تحمر أولًا من هناك لأنها تأخذ الدم من هناك، فيظن أنها نبتت من هناك، فاذا اعتبرت سعة الثقب أوهم أن الأصل من الكبد، وإن اعتبرت الاستحالة إلى الدموية أوهم أن الأصل من المشيمة، لكن الاعتبار الأول هو اعتبار الثقب والمنافذ.
وأما الاستحالات، فهي كمالات للسطوج المحيطة بالثقب، وكذلك فإن الشرايين تجتمع إلى شريانين، إن أخذت الابتداء من المشيمة وجدتهما ينفذان من السرّة إلى الشريان الكبير الذي على الصلب متركبين على المثانة، فإنها أقرب الأعضاء التي يمكن أن يستند اليها هناك مشدودين بأغشية للسلامة، ثم ينفذان في الشريان الدائم الذي لا ينفسخ في الحيوان إلى آخر حياته، فهذا هو ظاهر قول الأطباء.
وأما في الحقيقة، فهما شعبتان منبتهما الحقيقي من الشريان وعلى القياس المذكور. ويقول الأطباء إنما لم يصلح لهما أن يتحدا ويمتدا إلى القلب لطول المسافة، واستقبال الحواجز، ولما قربت مسافتهما من المتصل به لم يحتاجا إلى الاتحاد.
ويذكرون أن الشريان والوريد النافذين من القلب والرئة، لما كان لا ينتفع بهما في ذلك الوقت في التنفس منفعة عظيمة، صرف نفعهما إلى الغذاء، فجعل لأحدهما إلى الآخر منفذ ينسد عند الولادة. وأن الرئة إنما تكون حمراء في الأجنة، لأنها لا تتنقس هناك، بل تغتذي بدم أحمر لطيف، وإنما تبيضها مخالطة الهوائية، فتبيضّ. وتقول الأطباء أن الغشاء اللفائفي خلق من مني الأنثى، وهو قليل، وأقل من مني الرجل، فلم يمكن أن يكون واسعاً، فجعل طويلًا ليصل الجنين بأسافل الرحم، وضاق عن الرطوبات كلها، فلم يكن بد من أن يفزد للعرق مصب واسع، وهذا من متكلفاتهم، والجنين إذا سبق إلى قلبه مزاج ذكوري، فاض في جميع الأعضاء، وهو بالذكورية ينزع إلى أبيه.
وربما كان سبب ذكوريته غير مزاج أبيه، بل حال من الرحم، أو من مزاج عرضي للمني خاصة، فكذلك لا يجب إذا أشبه الأب في أنه ذكر، أن يشبهه في سائر الأعضاء، بل ربما يشبه الأم.
والشبه الشخصي يتبع الشكل. والذكورة لا تتبع الشكل، بل المزاج.
وربما يعرض للقلب وحده مزاج كمزاج الأب يفيض في الأعضاء. وأما من جهة الاستعداد الشكلي، فيكون القبول من المادة في الأطراف مائلًا إلى شكل الأم، وربما قدرت المصورة على أن تغلب المني، وتشكله من جهة التخطيط بشكل الأب، ولكن تعجز من جهة المزاج أن تجعله مثله في المزاج.