القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٤٣٩ - فصل في تولّد الجنين
وإذا كان الأكثر لخمسة وأربعين يوماً، فيتحرك في تسعين يوماً، ويولد في مائتين وسبعين يوماً، وذلك تسعة أشهر، وقد يقع في هذا أيضاً اختلاف في أيام بمثل ما قيل، وهذا شيء لا يثبت المحصّل فيه حكماً، والمولود لثمانية أشهر- إن لم يكن ممن أكثر- حكمه أن لا يعيش على ما ستعلمه من بعد، إنما يكون قد تم تمامه على النسبة المذكورة، وولد عنه تمامه، فإنه تكون مدده أربعين يوماً، ثم ثمانين، ثم مائة وعشرين يوماً، وينصق ويزيد على ما علمت.
قالوا ولم يوجد في الإسقاط ذكر تمٌ قبل الثلاثين يوماً، ولا أنثى تمت قبل الأربعين، وقالوا أن المولود لسبعة أشهر تدخله قوة واشتداد بعد أن تأتي على مولده سبعة أشهر، والمولود لتسعة أشهر بعد تسعة أشهر، والمولد لعشرة أشهر بعد عشرة أشهر. ونحن نورد في مدة الحمل والوضع باباً في المقالة التي تتلو هذه المقالة.
واعلم أن دم الطمث في الحامل ينقسم ثلاثة أقسام: قسم ينصرف في الغذاء، وقسم يصعد إلى الثدي، وقسم هو فضل يتوقف إلى أن يأتي وقت النفاس فينتقص. والجنين تحيط به أغشية ثلاثة المشيمة، وهو الغشاء المحيط به، وفيه تنتسج العروق المتأدية ضواربها إلى عرقين، وسواكنها إلى عرقين، والثاني يسمى فلاس، وهو اللفائفي، وينصب إليه بول الجنين، والثالث يقال له أنفس، وهو مفيض العرق ولم يحتج إلى وعاء آخر لفضل البراز، إذ كان ما يغتذى به رقيقاً لا صلابة له، ولا ثفل، إنما تنفصل منه مائية بول، أو عرق.
وأقرب الغكشية إليه الغشاء الثالث، وهو أرقها، ليجمع الرطوبة الراسخة من الجنين. وفي جمع تلك الرطوبة فائدة في إقلاله ير لا يثقل على نفسه وعلى الرحم، وكذلك في تبعيد ما بين بشرته والرحم، فإن الغشاء الصلب يؤلمه بمماسته كما يؤلم المماسات ما كان من الجلد قريب العهد من النبات على القروح، ولم يستوكع بعد.
وأما الغشاء الذي يلي هذا الغشاء إلى خارج، فهو اللفائفي لأنه يشبه اللفائف، وينفذ إليه من السرة عصب للبول ليس من الإحليل، لأن مجرى الإحليل ضيق، وتحيط به عضلة مؤكلة تطلق بالإرادة وإلى آخره تعاريج. ووقت استعمال مثله هو وقت الولادة والتصرّف. وأما هذا فهو واسع مستقيم المأخذ، وجعل للبول مفيض خاص به، لأنه لو لاقى البدن لم يحتمله البدن لحرافته وحدته، وذلك ظاهر فيه. والفرق بينه وبين رطوبة العرق في الرائحة، وحمرة اللون بين، ولو لاقى أيضاً المشيمة لكان ربما أفسد ما تحتوي عليه العروق المشيمة.
والمشيمة ذات صفاقين رقيقين، وتنتسج فيما بينهما العروق، ويتأدى كل جنس منها إلى عرقين أعني الشرايين والأوردة.
فأما عرقا الأوردة، فإذا دخلا استقصرا المسافة إلى الكبد، فاتحدا عرقا واحداً ليكون أسلم، وبعداً إلى تحديب الكبد لئلا يزاحم مفرغة المرار من تقعيرها، وبالحقيقة فإن هذا العرق إنما ينبت من الكبد، وينحدر إلى السرة من المشيمة، ويفترق هناك، فيصير عرقين، ويخرج ويتحرك في المشيمة