القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٣٠٩ - فصل في قانون علاج القولنج
إلى تسكين الوجع بالمخدرات يركبون أمراً عظيما من الخطر، ليس هو بعلاج حقيقي في شيء، وذلك لأن العلاج الحقيقي هو قطع السبب، والتخدير تمكين للسبب، وإابطال للحس به، وذلك لأن السبب إن كان خلطاً غليظاً صار غلظ، أو بارداً أو نفس برد مزاج صار أبرد، أو ريحاً ثخينة صارت أثخن، أو شدة تكاثف جرم المعي فلا ينحل منها المحتبس فيها صار أشد تكاثفاً، ويعود الألم بعد يوم أو يومين أو ثلاثة أشد مما كان، فلا يجب أن يشتغل به ما أمكن، وما وجد عنه مندوحة، بل يشتغل بتبعيد السبب، وتقطيعه، وتحليله، وتوسيع مسام ما احتبس فيه بإرخائه.
وأكثر ما يمكن هذا بأدوية ملطفة ليست شديدة الآسخان، فإن شديد الإسخان إذا طرأ على المادة بغتة لم يؤمن أن يكون ما يهيجه من الريح، وما يحلله من المادة أكثر مما يحلله من الريح، بل يجب أن يكون قدره المقدار الذي يفعل في الريح تحليلًا قوياً، وفي المادة الرطبة تلطيفاً، وإنضاجاً لا تحليلًا قوياً، ولذلك ربما كفا هجر الطعام والشراب أياماً ولاء وكذلك، فإن التكميد ربما هاج وجعاً شديداً، فيضطر حينئذ، إما إلى ترك التكميد، وإما إلى التكرار والاستكرار منه لتحليل ما هيجُه الأول من الريح.
ثم إذا استعملت الحقن المستفرغة، فيجب أن كان الثفل محتبساً أن يبتدىء أولًا بما فيه إزلاق للثفل للعابات فيه، وأدهان، وأدوية ثفلية، وهي التي تصلح لعلاج القولنج الثفلي الصرف، هذا إن كان ريحياً، ثم بعد ذلك يستعمل الحقن المستفرغة للبلغم إن كان بلغمياً، أو المحللة للريح المستفرغة لها إن كان ريحياً.
ويجب أن تعلم أنه ربما استفرغ كل شيء من الأخلاط، وبقي شيء قليل هو المصاقب لناحية الألم، والفاعل للألم، فيجب أن لا يقال أن العلاج ليس ينفع، بل يستفرغ ذلك أيضاً بالحقن، وربما كان ذلك ريحاً وحدها، ويدل عليه دلائل الريح، فيجب أن يستعمل الحقن المقوية للعضو، والمحللة للريح بالتسخين اللطيف. وربما كفى حينئذ شرب معجون قوي حار مثل الترياق، ونحوه، وربما كفى وضع المحاجم بالنار على موضع الوجع، وربما كفاه شرب البزور، المحلّلة للرياح، وربما كفى شرب الشراب المسخن، وربما كفاه الأضمدة المحللة. والأقوى منها المحمّرة الخردلية، فإنها ربما حلّلت، وربما جذبت المادة إلى عضل البطن. ومياه الحمات في الوجع الشديد إذا استحم بها نفعت أيصاً، والماء النوشادري عجيب في ذلك مطلقا، ولو شرباً، إن كان بحيث يحتمل شربة.
وكذلك الأبزن المتخذ من ماء طبخ فيه الأدوية المحللة الملطفة، وربما كفى الدلك اللطيف للبطن مع ذلك قوي للساق، وربما هيج الوجع شرب الماء البارد، وهو أضر شيء في هذه العلة مع قلة الغذاء في إسكان العطش. والنبيذ الصلب القليل خير منه، والحار أسكن للوجع.