القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٣٢٨ - فصل في الديدان
وقد حكى بعضهم أنها ثقبت البطن وخرجت منه، وذلك عندي عظيم. وكذلك يرتفع منها أبخرة رديئة إلى الدماغ فتؤذي، وربما كان احتباسها في الأمعاء وإحداثها للعفونات سبباً للحمى، وليس حالها في أنها ينتفع بها في تنقية الأمعاء الانتفاع بالديدان ونحوها في تنقية عفونات العالم، لأن الأمعاء لها منق دافع من الطباع، ولأن نسبة ما يتولّد من هذه إلى العفونات التي في الأمعاء الفاضلة عن دفع الطبيعة أعظم من نسبة الديدان ونحوها، إلى هواء العالم وأرضه، ولأن هذه تتولد منها آفاات آخرى من سبيلها المحتاج إليه من الغذاء، ومن مضاد حركاتها، ومن إحداثها القولنج، ومن مضادة الكيفية التي تنبت عنها لمزاج البدن وغير ذلك. وقد يتولّد بسبب الديدان والحيّات صرع، وقولنج.
وقد يتولّد جوع كلبي لشدّة خطفها للغذاء، وربما ولدت بوليموس، وأسقطت القوة من فمّ المعدة بصعودها إليه، وتقديرها له. وربما تبع الحالين خفقان عظيم، وأكثر ما تتولّد في سن الصبا، والترعرع، والحداثة. وحبّ القرع في الأكثر يتولد فيمن فارق سن الصبا. وأما المدورة فيكون أكثر ذلك في الصبيان، ثم الشباب، ويقل في الشيوخ على أن كل ذلك يكون- وفي تتولد في الخريف- أكثر من سائر الفصول لتقدّم تناول الفواكه ونحوها. وللعفونة، وهي تهيج عند المساء ووقت النوم أكثر. والتعب والرياضة الشديدة قد تسهل الديدان. وإذا خرجت الديدان من صاحب الحميات الحادة حية لم تكن بشديدة الرداءة، ودلت على صحة من القوة، واقتدار على الدفع، وخصوصاً بعد الانحطاط، وإن خرجت ميتة كانت علامة رديئة.
وبالجملة فإن خروجها في الحميات مع البراز ليس بدليل جيد، وخصوصاً قبل الانحطاط، ولكن الحي أجود. وأما خروجها، لا في حال الحمى إذا كان معها دم، فهو رديء أيضاً، ومنذر بآفة في البدن، أو الأمعاء. وأما خروجها بالقيء، فيدل على أخلاط رديئة في المعدة.
في العلامات أما العلامات المشتركة، فسيلان اللعاب، ورطوبة الشفتين بالليل، وجفوفهما بالنهار، بسبب أن الحرارة تنتشر في النهار، وتنحصر في الليل. فإذا انتشرت الحرارة إنجذبت الرطوبة معها، فجاعت الديدان، وجذبت من المعدة، فجفّفت السطح المتصل بها من سطح الفم والشفة، وأعانها على تجفيف الشفة الهواء الخارج، فيظلّ المريض يرطب شفتيه بلسانه.
وقد يعرض لصاحب الديدان ضجر، واستثقال للكلام، ويكون في هيئة المغضب السيىء الخلق، وربما تأذى إلى الهذيان لما يرتفع من بخاراته الرديئة، ويعرض له أعراض فرانيطس سوى أنه لا يلقط الزئبر، ولا يصدع، ولا تطن أذنه. ويعرض له تصريف الأسنان، وخصوصاً ليلًا، ويكون في كثير من الأوقات كأنه يمضغ شيئاً، وكأنه يشتهي دلع اللسان، ويعرض له تثويب في النوم، وصراخ فيه، وتملل، واضطراب هيئة، وضيق صدر على من ينبّهه. ويعرض له على