القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ١٤٣ - فصل في النفخة
المقالة الخامسة أحوال المعدة من جهة ما تشتمل عليه ويخرج عنها وشيء في أحوال المراق وما يليها
فصل في النفخة:
النفخة قد تكون بسبب الطعام إذا كان فيه رطوبة غريبة تستحيل ريحاً، ولا يمكن الحرارة، وإن كانت معتدلة أن تحللها من غير إحالة الريح، وقد تكون بسبب الحرارة الهاضمة إذا كانت ضعيفة، فإن الغذاء، وإن كان غير نافخ في طباعه، فإذا ضعفت عنه الحرارة بخرت، وأحدثت ريحاً، فإن المادة التي ليس في جوهوها نفخ كثير، فإنها لا تحدث في الجوف نفخاً، إلا أن تكون الحرارة مقصرة، فتحرك، ولا تهضم. كما أن عدم الحرارة أصلًا لا يصحبها نفخ، ولو من نافخ.
وكل ما لا يحدث عنه نفخ، فإنما لا يحدث عنه النفخ، إما لبراءته عن ذلك في جوهره، وإما لسببين من غيره، أحدهما استيلاء الحرارة عليه، والآخر البرد الذي لا يحرك شيئاً.
وربما كانت الحرارة مستعدة للهضم، والمادة مجيبة إليه، فعورضت بما يقصر بها عنه من شرب ماء كثير عليه، أو حركة مخضخضة له.
وربما كان مزاج الغذاء نفاخاً كاللوبيا، والعدس، ونحوه، فلم تنفع قوة القوة واجتناب مواقع الهضم، إلا أن تكون الحرارة شديدة القوة، والمادة شديدة القلة، ومن الأشربة النفاخة الشراب الغليظ والحلو، اللهم إلا أن يكون حلواً رقيقاً، فيتولّد عنه ريح لطيفة ليست بغليظة. وربما كان سبب النفخة، كون الطعام حاراً بطباعه، فإنه إذا صادف حال ما يسخن عند الهضم، ويخرج من كونه حاراً بالقوة إلى كونه حاراً بالفعل مادة باردة رطبهّ حللها وبخّرها. وربما كان سبب النفخ والقراقر، خواء البطن مع رطوبة فجّة زجاجية في المعدة والأمعاء، فإنها إذا اشتغلت الحرارة الطبيعية عنها بالأغذية، كانت هادئة، وإذا تفرّغت لها الحرارة تحلّلت رياحاً.
وربما كان السبب في ذلك، أن الطبيعة إذا وجدت خلاء وتحركت القوة أدنى حركة، حرّكت الهواء المصبوب في الأفضية، وتحركت معها البقايا من أبخرة الرطوبات، فكانت كالرياح. وقد يكون السبب فيه، كثرة السوداء، وأمراض الطحال، وكثيراً ما يصير البرد الوارد على البدن من خارج سبباً لنفخة، ورياح، يمتلئ منها البدن لما ضعف من الحرارة الفاعلة في المادة، فتجعل عملها نصف عمل، وعملها الإنضاج للرطوبات، ونصف العمل التبخير.
وإذا كثرت النفخة في أجواف الناقهين، أنذرت بالنكس، والعلة المراقبة أكثرها يكون لشدة حرارة المعدة، وانسداد طرق الغذاء إلى البدن، فيرجع، ويحتبس في نواحي المعدة، يحمّض