القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٣٧٢ - فصل في تشريح المثانة
الفن التاسع عشر أحوال المثانة والبول يشتمل على مقالتين
المقالة الأولى أحوال المثانة
فصل في تشريح المثانة
كما أن الخالق تعالى جل جلاله، وتقدست أسماؤه، ولا إله غيره خلق للثفل وعاء جامعاً يستوعبه كله إلى أن يجتمع جملة واحدة، ويستغنى بذلك عن مواصلة التبرز، يندفع وقتاً بعد وقت كما علمته في موضعه، كذلك دبر سبحانه وتعالى فخلق لما يتحلب من فضل المائية المستحقة للدفع والنفض، جوبة، وعيبة تستوعب كلِّيتها، أو أكثرها حتى يقام إلى إخراجها دفعةً واحدةً، ولا تكون الحاجة إلى نفضها متصلة، كما يعرض لصاحب تقطير البول.
وتلك الجوبة هي المثانة، وخلقت عصبية من عصب الرباط، لتكون أشد قوة، وتكون مع الوثاقة قابلة للتمدد، منبسطة مرتكزة لتمتلىء، مائية. فإذا امتلأت، أفرغ ما فيها بإرادة تدعو إليها الضرورة. وفي عنقها لحمية تحبس بها مجاوزة العضلة، وهي ذات طبقتين باطنتهما في العمق ضعف الخارجة، لأنها هي الملاقية المائية الحادة، فتلطّف الخالق بحكمته في جلب المائية إليها، وجذب المائية عنها، فأوصل إليها الحالبين الأنثيين من الكليتين، فلما وافياها فرق للمثانة طبقتين، وسلكهما بين الطبقتين يبتدئان أولًا، فيفذان في الطبقة الأولى ثاقبين لها، ثم يسلكان بين الطبقتين سلوكاً له قدر، ثم يغوصان، في الطبقة الباطنة مفجرين إياها إلى تجويف المثانة، فيصبان فيها الفضلة المائية، حتى إذا امتلأت المثانة، وارتكزت انطبقت الطبقة الباطنة على الطبقة الظاهرة، مندفعة إليها من باطن والقعر انطباقاً يظنان له أنهما كطبقة واحدة لا منفذ فيها، ولذلك لا ترجع المائية والبول عند ارتكاز المثانة إلى خلف وإلى الحالبين.
ثم خلق لها البارىء جلّت قدرته عنقاً دفاعاً المائية إلى القضيب معرّجاً كثير التعاريج، لأجلها لا تستنظف المائية بالتمام دفعة، خصوصاً في الذكران، فإنه فيهم ذو ثلاث تعاريج، وفي النساء ذو تعريج واحد لقرب مثاناتهن من أرحامهن، وحوط مبدأ ذلك العنق بعضلة تطيف بها كالخانقة العاصرة حتى تمنع خروج المائية عنها، إلا بالإرادة المرخية لتلك العضلة المستعينة