القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٤٥ - فصل في علاج قروح نواحي الصدر ومعالجات السلّ
وكلما سخن مزاجه فضل سخونة، عولج بقرص الكافور أياماً، وعود بعدها التجفيف. وأما الأغذية فمن الدراج مطيباً بالأبازير وأفاويه، ولا يمنع الشراب الأبيض الصرف في أوله، ويشمّم دائماً الرياحين، ويلزم النوم، والدعة، والسكون، ويترك الغضب، والضجر، ولا يورد عليه ما يغمّه، ومما جربتُه مراراً كثيرة في أبدان مختلفة وبلدان مختلفة، أن يلزم صاحب العلة تناول الجلنجبين السكري الطري لغامه كل يوم ما يقدر عليه وإن كثر حتى بالخبز، ثم يراعى أمره. فإن ضاق نفسه بتجفيف الورد، سقي شراب الزوفا بمقدار الحاجة، وإن اشتعلت حمّاه، سقي أقراص الكافور، ولم يغير هذا العلاج فانه يبرأ. ولولا تقية التكذيب لحكيت في هذا المعنى عجائب، ولا وردت مبلغ ما كان استعملته امرأة مسلولة بلغ من أمرها أن العلة بها طالت ورقدتها، واستدعى من يهيئ لها جهاز الموت، فقام أخ لها على رأسها وعالجها بهذا العلاج مدة طويلة، فعاشت وعوفيت وسمنت، ولا يمكني أن أذكر مبلغ ما كانت أكلته من الجلنجبين.
وقد يفتقر اليبس والذبول إلى استعمال اللبن، أو الدوغ، وفي ذلك تغذية وترطيب، وتعديل للخلط الفاسد، وتغرية للقرحة بالجبنية، وتنقية بجلاء ماء اللبن للصديد والمدة، بل كثيراً ما أبرأ هذا التدبير قروح الرئة إذا لم يقصد في تدبيرها التصليب.
وأوفق الألبان لبن النساء رضعاً من الثدي، ثم لبن الأتن، ولبن الماعز، وخصوصاً للقبض في لبن الماعز. ولبن الرماك أيضاً مما ينقّي، ويسهل النفث، ولكن ليس له تغرية ذلك فيما ظن.
وأما لبن البقر والغنم، ففيه غلظ، لو قدر على أن يمصّ من الضرع كان أولى، ويجب أن يرعى الحيوان المحلوب منه النبات المحتاج إلى فعله. أما المدمل مثل عصا الراعي، والعوسج، وحبّ المساكين، وما أشبه ذلك. وأما المنقّي المنفث، فمثل الحاشا، ولعبة النحل، والحندقوقي، بل مثل اليتّوع. ومن اشتغل بشرب اللبن، فيجب أن يراعى سائر التدبير، فإنه إن أخطأ في شيء، فربما عاد وبالًا عليه.
وقد وصف بعض من هو محصّل في الطب كيفية سقي اللبن فقال ما معناه مع إصلاحنا أنه يجب أن يختار من الأتن ما ولد منذ أربعة أشهر، أو خمسة أشهر ويعمد إلى العلبة، وتغسل بالماء، فإن كان قد حلب فيها قبل، غسل بماء حار، وصبّ فيها ماء حاراً، وترك حتى يتحلل شيء، إن كان فيها من الماء، ثم يغسل بماء حار، ثم بماء حار وبارد، ثم توضع العلبة في ماء حار، ويجلب فيها نصف سكرجة، وهو قدر ما يسقى في اليوم الأول، إن كانت المعدة سليمة، وإلا فأكثر من ذلك بقدر ما يحمد، ويحسن. واسقه في اليوم الثاني ضعف ذلك الحلب، فإن كانت الطبيعة استمسكت في اليوم الأول جعل فيما يسقى اليوم الثاني شيء من السكر، وافعل في اليوم الثالث ما فعلته في اليوم الأول، فإن لم تلن في الطبيعة في اليوم الثالث وخصوصاً إذا كانت لم تلن إلى الثالث، فاسقه سكرجتين من اللبن مع دانقين من الملح الهندي، ومن