القانون في الطب - ابن سينا - الصفحة ٣٢ - فصل في قروح الرئة والصدر ومنها السل
وجالينوس يخالفهم، ويزعم أن الحركة وحدها تمنع الالتحام إن لم تنصف إليها سائر الموانع، والدليل على ذلك أن الحجاب أيضاً متحرّك، ومع ذلك فقد تبرأ قروحه.
وأما جالينوس نفسه فإن قوله في قروح الرئة هو أنها إن عرضت عن انحلال الفرد ليس عن ورم، أو عن تأكّل من خلط أكّال، بل لعله أخرى، فما دام جرحه لم يتقيّح بعد، ولا تورم، فإنه قابل للبرء، وكذلك ما كان من القروح الذي يحدث فيها نفث ولم تتقيّح، وما كان عن ورم، أو تأكّل لم يقبل البرء، لأن القرحة المنضجة المتقيّحة حينئذ لا يمكن أن تبرأ، إلا بتنقية المدة، وذلك بالسعال.
والسعال يزيد في توسّع القرحة وخرقها، والدغدغة الكائنة منها تزيد في الوجع، والوجع يزيد في جذب المواد إلى الناحية، والأدوية المجففة مانعة النفث، والمنقّية مرطبة ملينة للقرحة، والكائنة عن خلط أكّل لا تبرأ دون إصلاحه، وذلك لا يتأتى إلا في مدة يجب في مثلها، إما تخرق القرحة، ومصيرها ناصوراً لا تلتحم البتة، وإما سعتها حتى يتأكّل جزء من الرئة، والكائنة بعد ورم، فقد يجتمع فيها هذه المعاني ومن المعاون على صعوبة الالتحام الحركة، وأيضاً كون العروق التي في الرئة كباراً واسعة صلاباً، فإن ذلك مما يعسر التحام الفتق، وأيضاً فإن بعد المسافة بين مدخل الدواء المشروب، وبين الرئة، ووجوب ضعف قوته إلى أن يصل إلى القرحة من المعاون على ذلك، وما كان من الأدوية بارداً، فهو بليد غير نافذ.
وما كان حاراً، فهو زائد في الحمّى التي تلزم قروح الرئة، والمجفف ضار بالدقّ الذي يلزمه، والمرطب مانع من الالتحام، فإن علاج القروح كلها هو التجفيف، وخصوصاً مثل هذه القرحة التي تصير إليها الرطوبات من فوق ومن أسفل.
وقد يقبل هذا التأكّل العلاج إذا كان في الابتداء، وكان على الغشاء المغشى على القصبة من داخل، وليس في الجوهر اللحمي من الرئة قبولًا سريعاً. وأما الغضاريف نفسها، فلا تقبل.
وأقبل الأسنان لعلاج السل هم الصبيان، وأسلم قروح الرئة ما كان من جنس الخشكريشة إذا لم يكن هناك سبب في المزاج، أو في نفس الخلط يجعل القرحة اليابسة قوبائية. وقد يعرض للمسلول أن يمتد به السل ممهلًا إياه برهة من الزمان، وكذلك ربما امتد من الشباب إلى الكهولة، وقد رأيت امرأة عاشت في السل قريباً من ثلاث وعشرين سنة، أو أكثر قليلًا.
وأصحاب قروح الرئة يتضرّرون جداً بالخريف، وإذا كان أمر السل مشكلًا كشفه في صاحبه دخول الخريف عليه، وقد يطلق اسم السلّ على علة أخرى لا يكون معها حمّى، ولكن تكون الرئة قابلة لأخلاط غليظة لزجة من نوازل تنصبّ دائماً ويضيق مجاريها، فيقعون في نفس ضيق، وسعال ملحّ يؤدي ذلك إلى إنهاك قواهم، وإذابة أبدانهم، وهم بالحقيقة جارون مجرى أصحاب الربو، فإن كانت حرارة قليلة وجب أن يخلط علاجهم من علاج أصحاب الربو.