من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٣ - عبس وتولى أن جاءه الأعمى
ويجلون بآيات القرآن بصائرهم. والتذكر أحد مفاتيح الهدية وسابق للتعلم، وتعده النصوص الأساس للكثير من المزايا والمعارف.
فالتوحيد، الذي هو جوهر القرآن الكريم، إنما يتم فهمه ووعيه بالتذكرة، والتذكرة تتم بالعقل. يقول الله تعالى هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [إِبراهيم: ٥٢]. كما أن الرسالة الإلهية والتي نزلت على قلب الرسول صلى الله عليه واله إنما يعي حقيقتها أولو الألباب عبر التذكرة والتذكر، يقول الله تعالى* أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [الرعد: ١٩]. كذلك وعي أهمية الكتاب، وأنه مبارك وأنه جاء للتدبر والتذكر- وعي هذه الحقيقة- بحاجة إلى التذكرة والتذكرة تتم بالعقل، يقول الله تعالى كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [ص: ٢٩]. وبالرغم من أن التذكرة أبسط مرحلة من مراحل المعرفة، إلّا أن الكثير من الناس يعرضون عن التذكرة، بسبب مواقف سابقة لديهم،- وبالتالي- ليس كل من ذُكّر يتذكر. إن من أبرز شروط التذكرة، الخشية، فمن خشي الرحمن تذكر، وقد تواترت الآيات الكريمة حول ذلك، يقول الله تعالى سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (٧) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (٨) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى [الأعلى: ٦- ١٣]. ويبدو أن الخشية تمهد لجملة من شروط التذكر مثل إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق: ٣٧]. و اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (٤٢) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤) قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى [طه: ٤٢- ٤٥].
فإذن الخشية هي التي تساعد الإنسان على قبول الدين حيث إن أساس الجحود هو النفس الطاغية.
فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى تنشغل عنه وكأنه لا يهمك ولا يعنيك أمر هدايته.
[١١- ١٢] قيم الوحي، وجاهلية المادة في صراع قديم، ولا يجوز المهادنة مع الباطل لكسب المزيد من الأتباع؛ لأن حكمة الوحي ضبط المادة، فإذا خضع له لم يبق للرسالة مبرر، ومن هنا لا ينظر الرسول إلى الأشخاص إلا من زاوية رسالته. كَلَّا فإن للغنى اعتبار زائف. والمبلّغ إنما يختار لدعوته الذين يجد فيهم أرضاً طيبة لكلمته المباركة، ويترك الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً وغرتهم الحياة الدنيا، يقول الله سبحانه وتعالى وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ