من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٤ - عبس وتولى أن جاءه الأعمى
شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ [الأنعام: ٧٠].
إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ آيات الله تذكرة لكل الناس، ولا يختلف الناس إلا بقدر استجابتهم للوحي. فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ العقل أصل الإنسان، أوليس به يتميز عن سائر الأحياء، أولم يُكرِّمه الله به على كثير ممن خلق؟! إن العقل يغطُّ في سبات الغفلة فلا ينتفع به صاحبه، وتأتي آيات القرآن توقظه من سباته. أذلك خير أم بعض الدراهم والدنانير، كلا .. أنى كانت الثروة كبيرة فإن العقل أسمى؛ لأن الثروة لا تحصل إلا بالعقل، وإذا لم يكتمل العقل فإن الثروة تضر صاحبها قبل أن تنفعه، وقد تكون الثروة وسيلة لتكريس التخلف، والفقر، وبسط الفساد، ونشر الرذيلة، بيد أن العقل يجعل الإنسان على طريق ثروة نافعة كما يوفر له سائر عوامل السعادة كالخلق الرفيع، والحرية، والسلام.
ولا تعني التذكرة أن الناس يهتدون بها حتى ولو لم يشاؤوا ذلك كلا .. إن التذكرة لا تتم دون أن يشاء الإنسان نفسه، وهكذا جعل الله حرية الإنسان أصلا ثابتا في شريعته وفي سننه الحاكمة على الخليقة، وحتى الإيمان به جعله منوطا بإرادة الإنسان ولم يجعله كرها عليه. فالتذكرة لا تتم إلّا لمن أراد التذكرة، فالإرادة شرط ضروري للتنبه لذلك يقول الله تعالى كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ [المدثر: ٥٤- ٥٥]. نعم المشيئة البشرية هي الأخرى مشروطة بمشيئة الله، فالإنسان لا يملك القدرة على المشيئة إلّا بتوفيق الله تعالى فإنما كانت إرادته، وحرية الاختيار عنده بتلك الموهبة الإلهية التي يؤتيها الله لمن يشاء، يقول الله تعالى إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان: ٢٩- ٣٠].
[١٣- ١٤] وبعد أن ينسف السياق القيم الجاهلية يرسي دعائم قيم الوحي التي ينبغي ترسيخها في المجتمع، فيشرع في بيان عظمة القرآن حتى يكون القرآن هو محور المجتمع، وميزان التفاضل بين الناس، ثم يبين كرامة السفرة الذين يحملونه، وبذلك يوحي بأن عليكم أن تعظموا القرآن والدعاة إليه وليس المال والجاه وأصحابهما.
فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ قالوا: إن كتاب الله مكتوب في ألواح تكرَّمت به، وتسامت مجدا، وقال البعض: بل المراد أنه كان مكتوبا في اللوح المحفوظ قبل أن يتنزل على قلب الرسول صلى الله عليه واله. وأنى كانت الصحف فإن الآية تدل على أن القرآن محفوظ في صحف لا تنالها أيدي التحريف والتزوير ولا يسمو إليها الكذب والدجل، كما تدل على أن الله أكرم هذه الصحف بأنها تكشف الحق، وأكرمها بإعلاء درجة من يتبعها في الدنيا والآخرة، ذلك أن كرامة كل شيء بحسبه، وكرامة الصحيفة صدقها، وسمو مجدها، وتعاليها عمن يريد بها عبثا، ولذلك قال ربنا بعدئذ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ وهذا في الواقع تفسير لكرامة الصحيفة، فإن الله يرفع بها