من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣١ - عبس وتولى أن جاءه الأعمى
الخطاب، ومن الممكن أن يكون ذلك من باب تحويل الكلام إلى الخطاب بعد ذكر الغائب، وكأنه قد أصبح بذكره حاضرا كما نجد في سورة الحمد، حيث تحول الخطاب إلى الحضور بعد ذكر الله سبحانه وقال إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: ٥].
ثم إن السورة مكية بالاتفاق وكان ابن أم مكتوم في المدينة حسب ما يقول ابن العربي على حسب ما نقل القرطبي: [أما قول علمائنا: إنه الوليد بن المغيرة، فقد قال آخرون: إنه أمية بن خلف، والعباس، وهذا كله باطل، وجهل من المفسرين الذين لم يتحققوا من الدين، ذلك أن أمية بن خلف والوليد كانا بمكة، وابن أم مكتوم كان بالمدينة، ما حضر معهما ولا حضرا معه، وكان موتهما كافرين، أحدهما قبل الهجرة، والآخر ببدر، ولم يقصد قط أمية المدينة، ولا حضر عنده منفردا ولا مع أحد] [١].
وينبغي أن نتساءل: إذا كان ابن أم مكتوم في المدينة فكيف نزلت السورة بمكة تروي قصته؟!. وأيًّا كان سبب نزول الآية، فإن الكلام الفصل هو تنزيه النبي صلى الله عليه واله مما لا يليق بكمالاته الخُلقية وعظيم مرتبته، وصرف الكلام للتدبر في كلماتها المشعة، والتعرض لأمواج نورها المتدفق.
عَبَسَ وَتَوَلَّى لقد بسر بوجهه، فانعكست حالته النفسية تجاه الرجل على ملامح وجهه التي. تفضح تقلبات فؤاده أنى حاول إخفاءها، ثم تولى بركنه عنه عمليًّا، وهكذا تكاملت ملامح الموقف السلبي.
[٢] أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى أي بسبب زيارة الأعمى له، وهذا يتنافى مع ما ذكر في بعض النصوص: أن الرسول صلى الله عليه واله إنما انزعج عندما سأله ابن أم مكتوم وليس من زيارته.
[٣] لقد جاءه الأعمى زائرا وربما ساعيا نحو الهداية، وإذا عوَّض الأعمى أو أي معوق آخر نقص جوارحه بتزكية نفسه فإنه يسمو فوق كل بصير وسليم. وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى وهكذا تكون تزكية النفس أهم غاية يسعى نحوها الإنسان.
[٤] وقد لا يسمو الفرد إلى التزكية ولكنه يبلغ مستوى التذكرة التي تنفعه في إصلاح بعض جوانب سلوكه وهكذا الأعمى الفقير الذي تقدم إلى ذلك المجلس، وعموما فالتذكر سبيل للتزكية أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى.
[٥] الغنى مطلوب ولكن الاستغناء مرفوض، فالغني المتواضع الذي يمتلك الثروة
[١] تفسير القرطبي: ج ١٩، ص ٢١٢.