من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٠ - عبس وتولى أن جاءه الأعمى
حقبة خاصة من الزمن حتى نفتش فيها عن تطبيقاته، بل لعل تأويل آية كريمة لا يتأتى إلا بعد قرون وقرون. بلى؛ كانت آيات كثيرة تجد تطبيقها في حياة الرسول صلى الله عليه واله، ومن هنا قد اعتقد غالب أهل التفسير أنها نزلت في تلك الموارد، والحقيقة أنها تأولت فيها فقط ولم تكن سوى مصداق من مصاديق القرآن. ولعل التعبير التالي عند المفسرين الأوائل [نزلت في فلان مثلًا] كان يعني أنها طبقت عليه وأولت فيه وليس نزولها لهذه الحادثة، والدليل على ذلك أننا نجد آيات كثيرة ذكر لها المفسرون موارد متأخرة عن نزولها أو متقدمة، مثلًا: نجد آيات مكية يذكر المفسرون من الجيل الأول أنها نزلت في أشخاص لم يكونوا في مكة (ولعل الآيات الأولى من سورة عبس منها) أو بالعكس أو حتى أنهم يؤولونها فيمن لم يكن في عهد الرسول صلى الله عليه واله [١]. بلى؛ عند الأجيال التالية من المفسرين أصبح التعبير [نزلت في كذا] يوحي بأن الآية نزلت بتلك المناسبة.
وفيما يتصل بالآيات في هذه السورة فقد قال القرطبي: [روى أهل التفسير أجمع: أن قوما من أشراف قريش كانوا عند النبي صلى الله عليه واله وقد طمع في إسلامهم فأقبل عبد الله بن أم مكتوم، فكره رسول الله صلى الله عليه واله أن يقطع عبد الله عليه كلامه، فأعرض عنه، ففيه نزلت الآية] [٢].
وقال الشيخ ناصر المكارم في تفسيره (الأمثل) ما يلي: [المشهور بين المفسرين (السنة والشيعة) ذلك]. ولكنه روى حديثاً عن الإمام الصادق عليه السلام يقول
[أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ ..]
، وأضاف بلسان الشريف المرتضى رضي الله عنه: [أن العبوس ليس من صفاته مع أعدائه، فكيف به مع المؤمنين المسترشدين! .. وهو ليس من أخلاقه صلى الله عليه واله الكريمة، بدلالة الآية الكريمة وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ٤]] [٣].
ويبدو لي أن الآية لم تنزل في شان النبي، وأن المفسرين ذهبوا إلى ذلك بسبب ما توهموه من دلالة الآية، ومن بعض الروايات المتشابهة المختلفة، فمثلا: نجد في بعضها: أن النبي كان مع الوليد بن المغيرة، وفي بعضها أنه كان مع أمية بن خلف، وقال مجاهد: كانوا ثلاثة: عتبة وشيبة- ابني ربيعة- وأُبي بن خلف، وقال سفيان الثوري: كان النبي مع عمه العباس. وعلى افتراض أن القصة كانت صحيحة، فمن يقول إن المراد أن النبي قد عبس، فلعل واحدا من المسلمين كان حاضرا وهو الذي فعل ذلك، والشاهد أنه لم يقل ربنا: عبست وتوليت، بلغة الخطاب، وإنما قال عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى بلغة الغائب، ثم تحوَّل السياق إلى لغة
[١] وإلى مثل هذا الرأي ذهب الدهلوي في كتابه (الفوز الكبير في أصول التفسير (، ص: ١٠٨- ١٠٧ الطبعة الثانية دار البشائر الإسلامية.
[٢] تفسير القرطبي: ج ١٩، ص ٢١١.
[٣] الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج ١٩، ص ٤١١، بتصرف.