من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢١ - قتل أصحاب الأخدود
اليوم الموعود ليجمعهم ويُشهدهم على أنفسهم، أرأيته سبحانه يترك الإنسان يعبث في الدنيا ويقتل عباده المؤمنين بطريقة شنيعة ثم لا يجازيه؟ كلا .. قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ الذين شقوا في الأرض أخاديد كالأنهر العريضة، وملؤوها نيرانا تستعر. قال بعضهم: تلك لعنة أبدية تلاحق الظالمين، فالقتل هنا كناية عنها. وقال البعض: بل إن أولئك الظالمين قد قتلوا فعلا إذ خرجت شعلة من نيران أخدودهم وأحرقتهم. وربما قتلوا بعدئذ بطريقة أخرى. المهم أنهم لم يفلتوا من عذاب الآخرة، وإن أمهلوا في الدنيا لعدة أيام، ذلك أن نظام الخليقة قائم على أساس العدالة، ولن يقدر الظالم على الانفلات من مسؤولية جرائمه.
[٥] كانت نيران تلك الشقوق التي صنعوا في الأرض مشتعلة تلتهم الضحايا بسرعة. النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ وكم هي فظيعة جرائم الطغاة، وكيف يتوسلون بأبشع الأساليب في سبيل بقائهم عدة أيام أخر في سدة الحكم .. أفلا يستحق مثل هؤلاء نيران جهنم المتقدة؟.
[٦] رهيب ومثير منظر الإنسان البريء الوادع وهو يحترق بالنار ويجأر للمساعدة دون أن يستجيب له أحد، وقد يكون شيخا كبيرا أو شابا يافعا أو امرأة ضعيفة أو حتى طفلة بعمر الورد. ما أقسى قلوب الطغاة وأتباعهم وهم يتحلقون حول النار ينظرون إلى المؤمنين يُلقون في النار فيحترقون! حقًّا: إن الكفر يمسخ صاحبه، والطغيان يحوله إلى ما هو أسوأ من وحش كاسر. إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ.
[٧] لقد دعوا الجماهير إلى حفلة إعدام جماعية، ليشهدوا عذاب المؤمنين، وليكون عذابهم عبرة لمن بعدهم لكيلا يفكر أحد بمخالفة دين السلطان وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ جريمة بشعة تقع في وضح النهار وبعمد وقصد وبتحدٍّ سفيه لملكوت الرب حيث يستشهد على وقوعها المجرم الناس .. لا أظن أن جريمة تستكمل شروط الإجرام كهذه .. فماذا ينتظر المجرم غير القتل وملاحقة اللعنة؟ من هم أصحاب الأخدود؟ وفي أي بقعة كانوا؟. قال مقاتل: [إن أصحاب الأخدود ثلاثة: واحد بنجران، والآخر بالشام، والثالث بفارس، أما من بالشام فأنطياخوس الرومي، وأما الذي بفارس فبختنصر، والذي بأرض العرب يوسف بن ذي نواس] [١]. وحسب هذا القول يحتمل أن تكون جريمة الحرق بالنار عبر الأخدود شائعة في الجاهلية في أكثر من بلد، ولا يهمنا من كان يفعلها، إنما العبرة منها. وجاء في بعض الأحاديث: [أن القصة وقعت في الحبشة حيث بعث الله إليهم نبيا فآمنت به طائفة فأخذوه وإياهم والقوهم في النار] [٢].
[١] تفسير القرطبي: ج ١٩ ص ٢٩١.
[٢] راجع بحار الأنوار: ج ١٤، ص ٤٣٨، تفسير القمي: ج ٢، ص ٤١٣.