من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢٠ - قتل أصحاب الأخدود
بينات من الآيات
[١] الكائنات والزمان والإنسان ثلاثة شهود عظام على مسؤولية البشر، فأنى له الهروب، وأنى له التبرير! وأعظم الكائنات حسب علمنا السماوات بما فيها من وحدات من بناء عظيم يسميها القرآن البروج. وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ما هي البروج؟ يبدو أنها طبقات السماء المتمثلة في مجاميع المجرات، كل مجرة فيها أعداد هائلة من الشموس. قالوا: أصل معنى البروج الظهور، ولأن البناء العالي ظاهر سمي القصر برجا، كما سمي موقع الدفاع عن المدينة بالبرج. ولعل انتخاب هذه الكلمة هنا كان لأن في السماء حرسا اتخذوا مواقع لرصد حركات الإنس والجن والشياطين، مما ينسجم مع السياق الذي يجري فيه الحديث عن جزاء الطغاة على جرائمهم بحق المؤمنين، فإذا تحصن الطغاة ببروجهم الأرضية فإن للسماء بروجا لا يستطيعون مقاومة جنودها. وقال بعضهم: البروج هي منازل الشمس والقمر والكواكب وأفلاكها التي لا تستطيع أجرام السماء على عظمتها تجاوزها قيد أنملة، مما يشهد على أنها كائنات مخلوقة مدبرة.
[٢] يوم القيامة رهيب ترتعد السماوات والجبال والبحار وسائر الكائنات خشية منه وإشفاقا، وأعظم ما فيه مواجهة الإنسان لأفعاله، بلا حجاب من تبرير، ولا قوة ولا ناصر .. وهكذا يحلف السياق به على ما يجري الحديث عنه من مسؤولية الطغاة أمام ربهم عن جرائمهم بحق المؤمنين. وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ إنه يوم لا مناص منه، لأنه وعد الله، ووعد الله غير مكذوب، وليس الإنسان وحده بل الكائنات جميعا موعودة بذلك اليوم، فأي يوم عظيم ذلك اليوم؟.
[٣] ثم يقدم الإنسان للمحاكمة، فقد حضر الشهود. كل مكان عاش فيه يشهد عليه، وكل زمان مر به يشهد عليه، وكل جارحة استخدمها تشهد عليه، وكل إنسان عايشه يشهد عليه، وفي طليعة الشهود الأنبياء والأوصياء والدعاة إلى الله، يشهدون عليه أن قد بلَّغوه رسالات ربه فلم يقبلها. أي مسكين هذا الطاغية الذي تجتمع عليه الشهود من كل موقع وكل حدب؟! ثم تراه في الدنيا غافلا لاهيا سادرا في جرائمه وكأنه لا حساب ولا عقاب. وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ قال بعضهم: الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة، وروي ذلك عن الإمام علي عليه السلام، وقال البعض: بل كل يوم يشهد على الإنسان بما يفعل، وروي عن الرسول صلى الله عليه واله قوله
[لَيْسَ مِنْ يَومٍ يَأْتِي عَلَى العَبْدِ إِلَّا يُنَادَى فِيْهِ: يَا بْنَ آدَمَ أَنَا خَلْقٌ جَدِيْدٌ، وَأَنَا فِيْمَا تَعْمَلُ عَلَيْكَ شَهِيْدٌ، فَاعْمَلْ فِيَّ خَيْراً أَشْهَدْ لَكَ بِهِ غَداً، فَإِنِّي لَوْ قَدْ مَضَيْتُ لَمْ تَرَنِي أَبَداً، وَيَقُولُ اللَّيْلُ مِثْلُ ذَلِكَ] [١].
[٤] أرأيت الذي خلق السماء ذات البروج فلم يدع فيها ثغرة ولا فطوراً، وجعل للناس
[١] تفسير القرطبي: ج ١٩، ص ٢٨٤.