من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٢ - ويل للمطففين
فوقها، فإذا استسلم الإنسان لقوة الشهوات ضعفت إرادته، وكسف نور عقله، فلا يزال كذلك حتى يخبو عقله، وتنماث إرادته فيسترسل كليا مع الشهوات، ومن جهة أخرى: عندما يرتكب البشر جريمة أو ذنبا يتهرب من وخز ضميره بتبريرهما، ولا يزال يبرر لنفسه ما يرتكبه حتى يقتنع بذلك التبرير، بل يتحول عنده إلى ثقافة متكاملة، فلا يكاد يعرف الحقيقة، ومن جهة ثالثة: الخير عادة والشر عادة، ومن عوَّد نفسه على الشر كيَّف سلوكه وسائر تصرفاته مع تلك العادة، وكان كدودة القز تنسج حول نفسها ما يقتلها .. أرأيت الذي يكتسب الحرام، إما بالسرقة أو الغش أو التطفيف أو التعاون مع الظالمين أو العمل كجاسوس محترف للطغاة أو الأجانب، أرأيته يتخلص من هذه المهنة وقد كيف نفسه معها، واعتمد عليها في رزقه اليومي؟!.
لذلك ينبغي للرشيد ألا يتبع الشيطان منذ الخطوة الأولى، ولا يرتكب حتى الذنب الأول، وإذا مر به طائف من الشيطان فخدعه عن دينه، وارتكب ذنبا فعليه أن يتوب عن قريب، ولا يتابع مسيرة الذنب؛ فإن الذنب بعد الذنب يفسد القلب، ويبعد عن الإنسان توفيق التوبة. هكذا روي عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال
[مَا شَيْءٌ أَفْسَدَ لِلْقَلْبِ مِنَ الْخَطِيئَةِ إِنَّ الْقَلْبَ لَيُوَاقِعُ الْخَطِيئَةَ فَمَا تَزَالُ بِهِ حَتَّى تَغْلِبَ عَلَيْهِ فَيَصِيرَ أَسْفَلُهُ أَعْلَاهُ وأَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ]
[١] قال رسول الله صلى الله عليه واله
[إِنَّ المُؤْمِنُ إِذَا أَذْنَبَ كَانَتْ نُكْتَةٌ سَودَاءُ في قَلْبِهِ فَإنْ تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ صُقِلَ قَلْبُهُ مِنْهُ، وَإِنْ زَادَ زَادَتْ فَذَلِكَ الرَّيْنُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ في كِتَابِهِ
كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ] [٢]. من هنا ينبغي التوبة إلى الله في كل يوم بل وفي كل ساعة حتى يمحى أثر الذنوب التي لازلنا نمارسها قبل أن تترسخ في القلب فتفسده، كما ينبغي التلاقي والتواصي بالحق والصبر، والتناصح حتى تُجلى الأفئدة من رينها، هكذا أوصانا رسول الله صلى الله عليه واله فيما روي عنه أنه قال
[تَذَاكَرُوا وتَلَاقَوْا وتَحَدَّثُوا فَإِنَّ الْحَدِيثَ جِلَاءٌ لِلْقُلُوبِ، إِنَّ الْقُلُوبَ لَتَرِينُ كَمَا يَرِينُ السَّيْفُ جِلَاؤُهَا الْحَدِيثُ] [٣].
[١٥] هذه القلوب التي ترين بالذنب لا تتشرف بلقاء ربها يوم القيامة، ذلك أن هذه الذنوب تصبح حجبا كثيفة تمنع عنه أنوار الله البهية. كَلَّا فليرتدعوا عن الاسترسال مع الذنوب وما يسبب لهم رين القلب؛ لأن لذلك عاقبة سوأى، وهي إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ لقد حجبهم الذنب عن رحمة الله وعطفه ورعايته، كما حجبهم الذنب عن نور لقائه ومشاهدته بحقيقة الإيمان، أليس أعظم نعم الله على المؤمن رضاه عنه ومناجاته له، ولقاء قلبه بنوره؟ إن هذا لهو النعيم المقيم الذي يسعى إليه المؤمن، إنه أعظم جائزة يتوقعها من ربه، فقد جاء في الحديث عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال
[وَاللهِ إِنَّ أَرْوَاحَنَا وَ أَرْوَاحَ النَّبِيِّينَ لَتُوَافِي الْعَرْشَ
[١] مستدرك الوسائل: ج ١١، ص ٣٢٨.
[٢] روضة الواعظين: ج ٢ ص ٤١٤.
[٣] الكافي ج ١، ص ٤١.