من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٨ - قتل الإنسان ما أكفره
إلا ويكفر بقدر ما بنعمة الله.
[١٨- ١٩] ثم يعدد السياق نعم الله على الإنسان التي يقابلها بالكفر وأولها نعمة خلقه من النطفة ويقول مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ هذه القطرة من الماء التي تخرج من الصلب وتلك القطرة التي تتدفق من الترائب، تلتقيان فيخلق الله بهما الإنسان في ظلمات الأرحام، حيث لا يعرف حتى أبواه ماذا يجري هنالك، فلا تزال عين الله ترعاه، ويده تقلبه من طور إلى طور، حتى يخرج إنساناً سويًّا، كيف قدر الله مواد جسمه من أنواع العناصر، وبعض من هذه العناصر استقدمه الرب من نجوم تبعد عنا آلاف البلايين من الأميال، ثم قدر حجم كل عنصر ومقداره في بنيته، ويصوره بأحسن تصوير، وقدر جوارحه بأنظمة معقدة لا نزال لا نعرف إلا جانبا منها هو الذي نجده في الغدد المنظمة لنمو الأعضاء، وقدر مجمل وزنه، فلا يصبح أطنانا ولا يبقى عند الوزن الذي أُخرج عليه من بطن أمه إنما يتراوح بين الستين والتسعين غالبا، كما يحدد طوله فلا نجد من ارتفع أمتارا متطاولة، كما لا نجد الأقزام إلا قليلا. كما يقدر رغبات نفسه، وشهوات جسده، ويكيفها وفق ظروفه، كل ذلك لا يهديه إلى ربه ولا يجعله يسلم وجهه إليه! بلى ما أكفره ما أكفره!.
[٢٠] وهداه إلى ما ينفعه وما يضره، وإلى ما يسعده ويشقيه، وإلى رزقه من أين يأتيه وكيف يصرفه. إن الإنسان مزود بفطرته وعقله، بمنظومة من الغرائز والأفكار تهديه إلى سبل العيش. ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ بلى، ألهمه فجوره وتقواه، وأرسل الأنبياء ليُذكِّروه بتقواه، وينذروه من الفجور، وزودهم بشرائع تفصيلية تبين له سبل السلام.
[٢١] وبعد أن انقضت دورته قهره بالموت ليكون عبرة لمن بعده، وينقله إلى حياة أخرى، ويسعده فيها إن عمل صالحا، ولم يدع جسمه عرضة لنهش الحشرات والجوارح والسباع، وإنما هيَّأ له قبرا يوارى فيه كرامة له ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ.
[٢٢] وإن الله الذي قلَّب الإنسان بين يدي قدرته في مختلف الأطوار قادر على أن يعيده متى شاء ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ.
[٢٣] ولكن الإنسان الذي أسبغ عليه الرب كل هذه النعم لا يزال متحديا قدرته وسلطانه، ولا يزال يتمرد على أوامره ولا يقضيها كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ. ماذا تعني كَلَّا؟. يبدو أن معناها هنا وفي سائر مواقع استخدامها الإيذان بوقوع ما لا ينبغي، ولا يتوقع العقل بعد سرد تلك النعم إلا أن يكون الإنسان في منتهى التسليم لربه وفاء لبعض دينه، ولكن العكس تماما هو الذي يقع. أما كلمة مَا فتعني النفي مع التوقع، أو نفي ما كان متوقعا،